البكاء وراء الميت خسارة؟

العودة للماضي من أجل التفكير في الحاضر والمستقبل شيء، والعودة للماضي من أجل البكاء على أطلاله شيء أخر؟ هذا ما تعلمناه وعلمته لنا مدرسة ال...


العودة للماضي من أجل التفكير في الحاضر والمستقبل شيء، والعودة للماضي من أجل البكاء على أطلاله شيء أخر؟ هذا ما تعلمناه وعلمته لنا مدرسة النضال الفكري والثقافي قبل السياسي   و اسمها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.
 الشعوب مثلها مثل الأشخاص والتنظيمات، التي تنسى ماضيها محكوم عليها بإعادته بشكل مشوه. والشخص المريض نفسيا يتجاوز محنته في استحضار الماضي الذي تسبب في أزمته النفسية، وهي عودة لا تتم إلا على يد المحلل النفسي الذي يبحث في الأعماق عن العقد المسؤولة عن المرض والقيام بتفكيكها حتى يسترجع هذا الشخص توازنه النفسي وعافيته من جديد..
وأحيانا تتم العودة للماضي من أجل الهروب من الحاضر، وأحيانا أخرى لتصفية الحساب مع هذا الحاضر من خلال إعادة قراءة الماضي واسقاط الحاضر فيه. دون تقييم موضوعي أو نقد نزيه يتعالى ويسمو عن كل عقد ومشاكل المعاش في الوضع الراهن.
 كل عودة للوراء لها ما يبررها وتضمر خلفيات ونوايا مستبطنة، وهذا ما نلمسه اليوم لذا جيل ما قبل ثورة البوعزيزي. ونلمسه أكثرعند قطاعات واسعة من أبناء اليسار والصف الديمقراطي بالمغرب. ما يعني أن قراءة الماضي النضالي لاتزال  محل صراع وتجاذب واصطفاف، لا أحد يريد أن يضعها في سياقها الموضوعي ويركز على بؤر الضوء
وهي كثيرة وغنية بالدروس، من اجل الانخراط في الحاضر والمساهمة في بناء المستقبل بروح وزخم الأحداث الثورية الجارية من حولنا . الأحداث التي حررت الانسان العربي من قيوده وعقده، وجعلته يأخذ زمام الأمور بيده، وأصبح رقما رئيسيا لبناء البديل الذي كنا نحلم به، لأننا حتى في حلمنا  في هذا الماضي القريب، كنا نحلم به منقسمين وموزعين مللا ونحلا الى أن أصبحنا متفرقين ومشتتين ككيس البطاطس. واقتلعنا من جذرنا المشترك وفقدنا كل رابط يجمع بعضنا البعض، وصار كل واحد  يتغنى بليلاه، لكي يهرب من مسؤولية المرحلة وما تقتضيه من ضرورة الانخراط فيها بقلب مفتوح خال من العقد، واصطفاف واضح ضمن سياقها الذي ينبذ الحلقية والتموقع والتمذهب من أجل التغيير الذي هرمنا في سبيله . وليس أبناء (المرحومة) منظمة العمل المشردين،  ملائكة منزهين،  فكل واحد منا ، قيادة وقاعدة،  ساهم من قريب أو من بعيد في وأد هذه التجربة.   ومع توالي نكبات واخفاقات جيل من المناضلين فضل غالبيتهم أن  يختار،  بسبب تعفن الوضع السياسي وانسداد الوعي الفكري والثقافي وتحول الأحزاب الديمقراطية الى ساحة لحرب الزعامات، الانسحاب واتخاذ ما يكفي من  المسافات،  مفضلين الصمت على حوار الطر شان. ولأن معظمهم كان يشعر بالتقزز والنفور من شخصنة العلاقات الحزبية و من جمودها، فلم يكن من المنطقي أن يقوم هؤلاء بنشر الغسيل ويسقطوا بالتالي في فخ التراشق بالاتهامات والاتهامات المضادة بعيدا عن كل تقييم موضوعي جدلي يصحح الأوضاع ويدفعها للأمام. وهو دين لازال على رقبة أطرها ومثقفيها.
لقد اختار جزء من اطر  المنظمة ومناضليها الانشقاق في سنة 96 بسبب  الموقف من الدستور.. ثم في مرحلة ثانية بعد أن فشل مشروع الانشقاق، بانضمام من تبقى منهم في الاتحاد الاشتراكي، واختار الجزء الأخر خيار جمع شتات اليسار وتأسيس اليسار الموحد، وكانت الكلفة متشابهة إلى حد كبير ولا تحتاج منا اليوم لمزيد من التفصيل. المهم أن كلا الطرفين كان له خياره وكل داخل خياره تقع عليه جزء من المسؤولية
 ما يجمعنا اليوم حقا، سواء كنا في الاشتراكي الموحد أو الاتحاد الاشتراكي او على مسافة منهما، بعد عائلة اليسار، هي مدرسة منظمة العمل :  المدرسة التي أنجبت الشهيد عبد السلام المودن، من أبرز معالمها الدعوة للم الشمل وليس لتفريقه، و للحوار الفكري والثقافي بدل الشحن الإيديولوجي الذي يخفي الميولات الذاتية، والجراة في اتخاذ الموقف السياسي بدل الغموض وضبابية المواقف. المنظمة التي تواضع فيها أطرها أمام شبابها،  وكان مبرر وجودها تنقية الوعي السياسي من افة  تقديس الأشخاص والايديولوجيات و محاربة الحلقية و التصلب الفكري والتكلس التنظيمي. المنظمة التي رغم حجمها الصغير كانت كبيرة ومِؤثرة بسبب اجتهاداتها وقوة اقتراحاتها، التي أثرت على حلفائها قبل خصومها السياسيين. بهرمها الشامخ المناضل الكبير محمد بنسعيد، وأنوالها التي كسرت الأصنام الفكرية وقدمت نموذجا غير مسبوق في الصحافة الوطنية
 للجدل الفكري والسياسي والثقافي ..المنظمة التي تركت لشبابها ونسائها سلطة التحكم في اطارتهم من خلال استقلاليتها الفعلية عن الحزب.. المنظمة التي حين ينقسم رأي أجهزتها التقريرية في تقييم الوضع السياسي، تلجأ لاستفتاء قواعدها.. 
هذه المنظمة هي التي تستحق أن يعود لها المناضلين من أجل استلهام الدروس، وهم يتتبعون اليوم بكل جوارحهم سمفونية سقوط الأصنام والديكتاتوريات والحلقيات...التي تدشنها الجماهير الثائرة بالوطن العربي. من أجل الاستضاءة من ثراتها النير لا لتقليب المواجع والبحث عن تصفية الحسابات الشخصية من جديد، ربما  يسعون لتبرير الجمود و الارتكان للوضع القائم. والهروب من تحمل المسؤولية في الوقت الحاضر، الحاضر الذي  بدأ يتشكل تحت شعار إسقاط الاستبداد ، ولا يمكن الا ليدفع في اتجاه وحدة اليسار المغربي وتعزيز ومساندة قوى الصف الديمقراطي والوطني وتخليصها من شراك الدولة المخزنية التي اختطفت تاريخها وماضيها النضالي والبعض من مناضليها.. فالمسألة لم تعد مسألة إطارات وهياكل فما هي الا تسميات . ومن كان يعبد هيكل المنظمة فهذا الهيكل قد مات، ومن كان يعبد خطها الفكري والثقافي والسياسي والنضالي الذي يتجدد ويتطور فهو حي لا يموت؟؟  جميل أن نعيد احياء ثراث المنظمة، لكن الشيء الأجمل هو أن نعمل على  توحيد اليسار بالاستفادة من ثراثها وثرات الحركة اليسارية المغربية والعالمية ، ومن مختلف الاجتهادات الفكرية والثقافية المنحازة للشعوب التي تسود عالم اليوم. فبدون الفكر؛ والفكر النقدي بالخصوص،  سيتحول هذا الثرات لفلكلور يعرض لالتقاط صور تذكارية وللبكاء علىالأطلال؟
محمد السلايلي

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : البكاء وراء الميت خسارة؟
البكاء وراء الميت خسارة؟
http://1.bp.blogspot.com/-KHicwCSEGH4/TcU_38G-kxI/AAAAAAAAAKQ/qpFDIla4o9E/s200/188051_167642009956512_6308430_n.jpg
http://1.bp.blogspot.com/-KHicwCSEGH4/TcU_38G-kxI/AAAAAAAAAKQ/qpFDIla4o9E/s72-c/188051_167642009956512_6308430_n.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2011/05/normal-0-21-false-false-false-fr-x-none_07.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2011/05/normal-0-21-false-false-false-fr-x-none_07.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy