الأصوليات الدينية من منظور علم الاجتماع السياسي

سيد فيلانكور، كيف يمكنكم التمييز بين تداخل المفاهيم التي توظف في فهم ظاهرة التطرف الديني، أي بين الأصولية الدينية والسلفية الدينية والتطر...

سيد فيلانكور، كيف يمكنكم التمييز بين تداخل المفاهيم التي توظف في فهم ظاهرة التطرف الديني، أي بين الأصولية الدينية والسلفية الدينية والتطرف الديني ؟
  هذه المفاهيم تتكامل جزئيا، وتتغاير دلالة كل منها وفقا لتوظيفاتها في مختلف  الأنساق الدينية. كما تختلف باختلاف استخداماتها من قبل الباحثين والدارسين. وبصورة عامة يمكن القول ان السلفية الدينية تعني تأصيل القيم الدينية التقليدية للدين، أي التركيز على نموذج ماضوي للدين، واحياء هذا النموذج عبر مختلف الطقوس والعبادات الدينية والسلفيون هم أكثر من يواجه تحديات الحداثة التي تفرض نفسها على المعتقدات الدينية. ولذلك، فان انصار هذا التيار اختاروا مرحلة زاهية من مراحل تطور العقيدة الدينية، وتم عليها بناء صورة المثال الديني والعقدي الذي يتمحورون حوله. وهذا يعني أن السلفيين يفضلون العقيدة في صورتها الماضوية الزاهية الأكثر اكتمالا ونضجا، ويرون فيها امكانية معالجة الأوضاع القائمة والمعاصرة للدين والعقيدة، لقد كانت هذه السلفية فكرة اليمين الكاثوليكي في الغرب، ولكن هذا التوجه بدأ يزحف ويتحول الى ممارسة دينية وفكرية لدى بعض الأديان الأخرى. وعلى خلاف ذلك، فان الاصولية الدينية كانت شأنا بروتستانتيا وركزت على أهمية العودة للكتاب المقدس في صورته المدونة ( الانجيل ). وهي عودة تفترض التجديد في التفسير اعتراضا على الشروحات والتفسيرات الخاطئة في ممارسات الكنيسة الكاتوليكية، وهذا الأمر يمكن ملاحظته لدى المسلمين في ما يتعلق بالقرآن الكريم. أما التطرف الديني، فهو يعني استخدام العنف والارهاب في سبيل فرض الأفكار والأوضاع الدينية للأصولية أو السلفية، وهذا يعني أن التطرف هو منهج يرتكز الى العنف في فرض الرأي والمعتقد. وقد يكون هذا العنف في أكثر أشكاله دموية كما شهدنا خلال العقود الماضية. ومع امكانية التمييز بين هذه المفاهيم، فان كلا منها يستخدم عمليا مكان الأخر، وفي كل منها دلالة على الشدة والعنف والتسلط في المعتقد ضد الأخر.
هل يمكن القول ان الاصولية الدينية ظاهرة عامة تعانيها كل الأديان وليس دين بعينه ؟
هذا صحيح بالضرورة، وذلك لأن هذه الحركات تعبر عن توجهات ايديولوجية ودينية وسياسية بالدرجة الأولى، وهي تتجلى في مختلف الأديان والعقائد الدينية الكبرى في العالم، سواء في الديانات الابراهيمية ( المسيحية واليهودية والاسلام )  أو في الديانات الشرقية ( الهندوسية  والسيخ والشنتوية ). وغالبا ما يعتقد أن الاصولية ظاهرة انجيلية بروتستانتية، مع أن الاصوليين هم في الغالب من الكاثوليك والمسلمين. وهنا تجدر الاشارة الى أن الاصولية والسلفية تتجليان في صيغ وأشكال مختلفة حتى في داخل الأديان السماوية الكبرى وفي مضامين التفرعات العقائدية لهذه الأديان. ففي كيبيك ( كندا ) على سبيل المثال، تنتمي الحركتان الأصوليتان " القبعات البيض"  و"رسل المحبة" الى الاصولية الكااثوليكية. والاختلاف الوحيد بينهما هو أتباع "القبعات البيض" لا يناقشون مسألة انتمائهم الى الكنيسة الرومانية، اما أنصار "رسل المحبة"، فانهم يخضعون ويدينون لبابويتهم الخاصة بهم وحدهم، يتميزون بأصولية أكثر تشددا من أصولية " القبعات البيض".
كيف تنظر الى مفهومي التطرف والراديكالية الدينية ؟
كما هو الحال في السياسة، يمكن القول ان الايديولوجيات الدينية تستند الى محور تتقاطع فيه قوى ثلاث : اليمين واليسار والاعتدال. وهذه الأيديولوجيات تتوافق مع قيم متغيرة عبر الزمن، اذ عندما تأخذ العقيدة الدينية طابع اليمين على هذا المحور، تكون أكثر محافظة وتشددا وتعلقا بقيم الماضي. وهنا يمكن أن نفهم لماذا يصنف الأصوليون على هذا المحور بأنهم جماعات دينية يمينية متطرفة. وعلى خلاف ذلك، عندما يكون الدين يساريا، فانه يعلي من شان القيم الكونية والقيم التي تحض على الانفتاح، وحالهم كحال اليمينيين، يمثلون جماعات تستخدم العنف من أجل فرض قيمهم وتصوراتهم الدينية. ويجب علينا هنا أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التصنيف هو محاولة لفهم الجوانب المعقدة في مسالة التطرف، لذلك يجب أن نكون حذرين في تبنيه وتوظيفه فكريا. وهذا يعني أنه يجب علينا عند تناول هذه الظواهر أن ندرسها، ونلاحظها، ونقوم بتحليل أبعادها التاريخية والثقافية، وتحليل مضامين  التصورات الكامنة في ايديولوجيا هذه التيارات الراديكالية، وذلك من أجل فهم هذه الظاهرة فهما علميا.
هل يمكن القول اليوم ان أغلب هذه التيارات الأصولية تأخذ مكانها على الجانب الأيمن من المحور الذي أشرت اليه ؟
نعم هذا صحيح، ولكن قد لا يكون هذا بالضرورة، فنحن مأخوذون بهذا الانطباع، وذلك لأن أنصار اليمين هم أكثر حضورا في المشهد الديني والسياسي. ومقارنة بالتطرف اليميني، فان التطرف اليساري أقل حضورا وأكثر هامشية. وغالبا ما تكون التيارات الراديكالية اليسارية أكثر ترددا في اعلان قيمها على الملأ : اذ غالبا ما يخفي اليساريون الدينيون مضامين حركاتهم الدينية بالمعنى الكلاسيكي لمفهوم القيم الدينية.  ولذا فهم غالبا ما يعلنون مبادئهم بوصفها أنساقا فكرية روحية متوافقة مع الدين. وهم يطرحون في هذا السياق أفكارا حول قضايا الانسان، والبيئة، والتضامن العالمي، والسلام والتسامح.
هل هناك صيغة من صيغ التضامن الممكن بين مختلف الجماعات الدينية اليوم ؟
نشهد اليوم محاولات متعددة وجهودا كبيرة للكنائس المتجانسة ترمي الى ايجاد صيغة رسمية لتوحيد القوى الدينية. وهذا أمر يشمل قوى اليمين واليسار. فعلى سبيل المثل، هناك جهود كبيرة لتوحيد البروتستانت والكاثوليك والأرثودكس، وذلك من أجل مزيد من القوة في نسق الدين المسيحي. ومن أجل هذا، فان أنصار هذا التوحيد يعتقدون أن جميع الناس هم أبناء الله الواحد. وأن المسيح هو نبي الله، فلم التشردم والقطيعة والانفصام؟ وبالتالي، فان هذا الاتجاه التوحيدي يهدف أيضا الى تحقيق هدف أبعد هو توحيد الديانات الابراهيمية والشرقية كلها. ففي هذا السياق، يلاحظ أن البابا يوحنا بولس الثاني كان يعتقد ويردد أننا جميعا ننحدر من الله، وكان دائما يجتمع الى مختلف القيادات الدينية، وينادي باتجاه الوحدة ضد الانفصام والانشطار بين العقائد الدينية المسيحية.
هل يمكن توحيد عقائد دينية تنتسب الى ديانات مختلفة ؟
هذا أمر ممكن، حتى وان كانت العقائد مختلفة جدا في جوهرها، فعلى سبيل المثال يتجانس الأصوليون البروتستانت مع الأصوليين الاسلاميين في أمرين أساسيين : فالمسيح هو المنقذ بالنسبة الى البروتستانت، والنبي هو المنقذ والشفيع بالنسبة للمسلمين. وهذا يعني أن هاتين المجموعتين الأصوليتين يمكنهما ايجاد صيغة مشتركة للتعاون، وذلك عندما يتعلق الأمر بالنضال ضد الزواج المثلي وضد الاجهاض، وكثير من القضايا المشتركة التي تتعلق بالحياة الأصولية. وفي هذا التوجه يمكن تنظيم التظاهرات والاحتجاجات، وتنسيق القوى في مواجهة هذه الظواهر المضادة لقيمهم الدينية المشتركة. وفي الجانب الأخر من المحور الايديولوجي، أي المحور اليساري، فان غالبية التقدميين المسيحيين الذين يناهضون العنف يمكنهم التنسيق مع تيارات أخرى مماثلة. مثل الحركة البوذية المتمثلة في أنصار الدالاي لاما الذين يتبنون فكرة اللاعنف، وبرفعون من أفكار الدالاي لاما بشأن العنف والنضال عقيدة لهم. وعندما تتعلق المسألة بقيم مشتركة، فقد يحدث غالبا أن تقوم عدة أديان مختلفة بالتعاون والتنسيق.
هل يمكن لهذا التقارب بين الجماعات الأصولية أن يشكل قضية سياسية ؟
هذا مؤكد، فبعض التيارات الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية تقدم الدعم للصهيونية العالمية وتتعاطف معها. وهذه التيارات الأصولية الأمريكية نفسها كانت تتعاطف مع الأصولية الاسلامية المناهضة للاتحاد السوفياتي في أفعانستان وتدعمها. وفي ذلك الوقت، قامت الحكومة الأمريكية بدعم بن لادن ماليا وسياسيا ولوجستيا، كما فعل النظام السياسي السعودي في ذلك الوقت الذي كان يساند الأصوليات من هذا النوع. ولكن هذا التحالف بين الأصوليات بدأ يواجه مشاكل جمة بعد سقوط الامبراطورية الروسية، اذ بدأت التيارات الأصولية الاسلامية المتجذرة في أفغانستان توجه حرابها في ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الى حلفاء الأمس، أي ضد الولايات المتحدة الأمريكية وضد كل أشكال الحداثة الغربية.
هل تلجأ هذه المحموعات الأصولية كلها الى ممارسة العنف؟ وهل يعد العنف مظهرا مشتركا بين هذه الجماعات ؟
نعم، في حقيقة الأمر، العنف هو السمة الغالبة لهذه الحركات الأصولية، وهنا بعض الاستثناءات المحدودة جدا، اذ يمكن الاشارة الى الحركات البوذية  التيبية السلمية التي غالبا ما ترفع شعار " اللاعنف "، وذلك بتأثير العقيدة البوذية نفسها، التي تشدد على رفض العنف، وهنا يجب أن نذكر أن الاديان في جوهرها ترفض العنف وتدفع الى التسامح والسلام. ولكن التاريخ يعلمنا أن الممارسات الدينية غالبا ما كانت تتجه الى العنف، لنأخذ المسيحية التي تتمركز عقائديا الى جانب السلام والمحبة والتسامح، فمع أهمية هذا التمركز هذا التمركز العقائدي التسامحي، فان التاريخ يعلمنا أن البلدان المسيحية كانت مسرحا للحروب المقدسة والحروب الصليبية في العصور الوسطى، وأن العصور الوسطى المسيحية كانت أشبه بالجحيم، حيث بلغ العنف المسيحي مداه في هذه المرحلة. ويمكننا في هذا السياق أن نقول ان بعض النظريات التحررية تبرر الثورة المسلحة والعنف، وكذلك الحال بالنسبة الى العقائد الدينية، فانها كثيرا ما تعبر عن الأفضل والأسمى، ولكنها في المقابل تدعو أحيانا الى ممارسة العنف أو الجهاد أو النضال، وذلك من أجل الحرية ومن أجل السلام، ومن هذه الزاوية، نطور التيارات الأصولية نظريات متكاملة تبرر العنف بأقصى أشكاله دموية.
ولكن كيف نفسر عملية ممارسة العنف باسم الدين؟  
هناك أسباب عديدة تدعو الى ممارسة العنف واللجوء الى التطرف، فالجماعات الدينية التي تتعرض للاضطهاد يمكنها أن تلجأ الى ممارسة العنف ضد العنف الذي تواجهه، وهذا ينطبق على الجماعات التي تتعرض للعنف والاستغلال والاضطهاد، وتلك التي تفرض عليها قيم ومعايير منافية لهويتها ووجودها. وقد ينفجر العنف عندما يتم الخلط بين الدين والسياسة، وفي كثير من الأحيان تنطوي الحروب الدينية على غايات سياسية واقتصادية. والأصوليون غالبا ما يحملون مطرقة الدين من أجل الوصول الى غاياتهم السياسية
 
*جزء من مقابلة مع عالم الاجتماع الكندي جان غي فيلانكور
ترجمها للعدد ٩( ٢٠١٠ ) من المجلة العربية لعلم الاجتماع : علي أسعد وطفة

  *فيلانكور نشر عدد من الابحاث والكتب أهمها كتاب " السلطة البابوية سنة ١٩٨٠" الذي خلف صدى علمي واسع في الاوساط الفكرية في أوروبا وأمريكا. أستاذ علم الاجتماع في جامعة مونتريال. وقام بالتدريس في فيتنام والبرازيل

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : الأصوليات الدينية من منظور علم الاجتماع السياسي
الأصوليات الدينية من منظور علم الاجتماع السياسي
http://www.alawan.org/local/cache-vignettes/L180xH275/arton2545-19dc2.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2011/10/blog-post_06.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2011/10/blog-post_06.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy