هل انتهت الثورة التونسية بصعود الإسلاميين؟

قمع واعتقالات واسعة ومطاردات أمنية هي حصيلة يوم الشهداء 9 أبريل، عندما انتفض أحرار تونس مطالبين بالحرية والكرامة الإنسانية التي رفعوها...

قمع واعتقالات واسعة ومطاردات أمنية هي حصيلة يوم الشهداء 9 أبريل، عندما انتفض أحرار تونس مطالبين بالحرية والكرامة الإنسانية التي رفعوها أيضا قبل ما يزيد عن سبعين عاما ضد الاحتلال الأجنبي.
لم تنتهِ أحداث القمع بشارع بورقيبة على هذا النحو، فالمئات تجمعوا أمام وزارة الدخلية وطالبوا بإقالة الوزير، كما اعتصم مئات آخرين أمام المجلس التأسيسي وباب بحر بقفصة، وفي اليوم التالي تظاهرت كتل من المعارضة حيث تم منعها من الوصول إلى الشارع نفسه، وأعلن المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس إضرابا طلابيا عاما. كما انطلقت التظاهرات بسيدي بوزيد ردا على قمع الاحتجاجات، وحتى كتابة هذه السطور تشهد بلدة أم العرائس بقفصة أعمال احتجاجية وعنف ضد المتظاهرين قبل فرض حظر التجول بالمنطقة. كما قدم وزير المالية استقالته، وأعلنت والدة أحد المقبوض عليهم دخولها في إضراب مفتوح عن الطعام.
المظاهرة بدت في عفوية معهودة للمحتجين تخللتها مشاهد تقديم الورود لقوات الأمن في إشارة لسلمية المظاهرة، كما تم رفع لافتات تنادي بمطالب الثورة التي اعتاد الشارع على رفعها قبل عام مضى. لكن المثير في تظاهرات هذه المرة هو حالة التصعيد التي أبداها المتظاهرون تجاه حزب النهضة الممثل للتيار المعتدل للإسلاميين عندما هاجم آلاف المحتجين مقار الحزب بالرديف وسوسة وسيدي بوزيد وقاموا بحرق أعلامه ومحتوياته، كما أعلنت مجموعة على شبكة الانترنت عن اختراق البريد الالكتروني الخاص بأعضاء بارزين ونشر وثائق سرية من أرقام الهواتف والمعاملات المصرفية. جاء ذلك في إطار اتهامات تم توجيهها للحزب بتكوين ميلشيات ملتحية بزي مدني شاركوا في عمليات القمع بجانب جهاز الشرطة سواء بالضرب بعصي حديدية أو بالمطاردات الأمنية للمتظاهرين.
التصعيد ضد النهضة
الحقيقة أنه لا يمكن فهم أشكال التصعيد ضد حزب النهضة الإسلامي منذ أبريل 2011 عندما رفع عشرات من أهالي مدينة المنستير لافتات « لا مرحبا بالانتهازيين » ورفضوا تنظيم النهضة لحفل إنشاد ديني بالمركز الثقافي للمدينة إلى إشعال مقر الحزب نفسه في الاحتجاجات الأخيرة، لا يمكن فهم ذلك التصعيد إلا من خلال تسلسل الأحداث في سياق الثورة، فنفس الجماهير التي ثارت ضد الديكتاتور تقوم اليوم وتلقى نفس القمع على يد وزير الداخلية وهو عضو قيادي بالحزب الإسلامي.
ولعل التصعيد قد يرجع لسببين غير منفصلين، أولهما تركيبة الحكومة نفسها حيث تحكمت النهضة في السلطات التشريعية والتنفيذية وبمشاركة ضئيلة لحزبين علمانيين آخرين، بمعنى أن التصعيد ضد الحكومة هو نفسه التصعيد ضد النهضة. والسبب الثاني هو مواقف الحكومة نفسها والتي ظهرت جليا في الآونة الأخيرة يعتريها التناقض والكذب؛ فالنهضة تتكلم بإسم الثورة في حين لم يتم حتى الآن تطهير المجلس الأعلى للقضاة الذي تم تعيينه مباشرة من بن علي. وبناءاً عليه لم يتم حسم قضايا استدعاء الرئيس الهارب ومحاكمته، كذلك قضايا الفساد التي استشرت وفاقمت الأزمة الاقتصادية بحسب تصريحات وزير التشغيل.
تم ترقية المنصف العجيمي، وهو جزار الشرطة المتهم بقتل المتظاهرين، كملحق بديوان وزير الداخلية القيادي البارز بالنهضة، وحتى الآن يواصل جهاز الشرطة عمله في التعذيب والقمع دون محاكمات. لعل ذلك لم يختلف عن تصريحات راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي قائلا: « العدالة الانتقالية يجب أن تبنى على أسس صحيحة بعدم الغلو في المحاسبة، نحن لا نريد أن نعلق المشانق »!. وذلك تعليقا على بث فيديو مصالحة من كندا لبلحسن الطرابلسي المتهم بالاستيلاء العام.
وفي الأحداث الأخيرة أقام الغنوشي أجواء احتفالية بساحة 9 أبريل تتناقض تماما مع أحداث العنف التي حدثت بوسط المدينة، وكان أول تعليق صدر عن المرزوقي رئيس البلاد أن الدولة لن تقبل بليّ الذراع كما لن تقبل باستخدام العنف. المرزوقي لم يساو فقط بين الضحية والجلاد، لكن أيضاً قد ألقى باللوم على المتظاهرين الذين تحدوا قانون حظر التظاهر بشارع بورقيبة، وهو الشارع الذي شهد أكبر ثورة شعبية رفعت عن الإسلاميين أنفسهم حظر المشاركة السياسية!
تناقضات الإسلاميين
الأدهى من ذلك أن ثقة القطاع الشعبي المختلف (من مجرد المؤيدين وليس المريدين) في اختيار الإسلاميين لمراعاة الأخلاق والضمير بتطبيق الشريعة الإسلامية تبددت بتصريحات حمادي الجبالي قبل تشكيل الحكومة عن إقامة الخلافة السادسة، وبعد تشكيل الحكومة وعند كتابة الدستور صرح أن التونسيين غير جاهزين لتطبيق الشريعة. الفرق الشاسع بين التصريحين يؤكد أن الإسلاميين لم يأتوا لتطبيق الشريعة، لعل ذلك كان واضحا بتخلي النهضة عن تنصيص الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع في الدستور، والاكتفاء بالفصل الأول من الدستور بعد تسيير مظاهرات حملت الرايات السوداء والمصاحف. النهضة هنا وجد أن التعنت سيفقدها الكثير من مؤيديها المعتدلين في هذه الفترة الثورية التي شهدت تحركات نسوية واسعة ضد نائب سلفي بالبرلمان اقترح قانون يبيح اقتناء الجواري.
قوة البديل الشعبي
حاولت النهضة سياسيا اتباع أسلوب يرضي جميع الأطراف بتراجع موقفها أمام المجتمع لتبدو أكثر ديمقراطية، كما وعدت مريديها بتطبيق الشريعة خطوة بخطوة، وهو أسلوب سياسي لا يتعلق بالمسائل الدينية. لكنها في المقابل ساهمت في تقزيم حركة الإسلاميين على الساحة التي استمرت عام كامل تطالب بفرض الحجاب وتطبيق الشريعة، وخاصة بعد انصياعهم لقرار عضو النهضة وزير الداخلية بحظر التظاهر بشارع بورقيبة.
وفي ظل ذلك سيبقى السؤال الأكثر أهمية: أين تقع مطالب الثورة من كل ذلك؟
الحقيقة أن الانسحاب الجزئي للإسلاميين من الشارع على النحو السابق لا يوحي بانتهاء تحركاتهم؛ فالنهضة مازالت لا تعبر عن الجناح الإسلامي المتشدد الذي ربما يطلق عنانه في الفترة القادمة باحتدام الأساليب الأكثر عنفا كما كان في الاعتداء على مظاهرات الفنانين، أو اقتحام المقرات الإذاعية ومنع المذيعات من الظهور، أو حتى بمشاركة القوات الأمنية في فض مظاهرات تحت قيادة وزير الداخلية النهضاوي. لكن على الجانب الآخر فإن غياب أكثر الأجنحة الإسلامية من مريدي الحزب الإسلامي الحاكم سيترك الساحة للتحركات الشعبية التي تقودها الجماهير في المصانع وأماكن العمل والتي صعدت بمعدلات غير مسبوقة خلال العام الحالي، في ظل توقعات باشتدادها وتصدرها للمشهد، لعل ذلك سيساهم في فضح مواقف النهضة ومدى جديتها في تصدر تونس ما بعد الثورة.
وعلى الجانب الاقتصادي، لم تختلف حكومة النهضةعن حكومات بن علي. فقبل أيام صدقت الحكومة على ميزانية عام 2012 التي اقتضت اقتطاع أربعة أيام من مرتبات العاملين بالقطاع الخاص والحكومي على حد سواء كمساهمة استثنائية، وهو نفسه أسلوب بن علي في جمع التبرعات فيما عرف بصندوق 26/26 والذي تأكد سرقته. بل على العكس التقى رئيس الحكومة المرزوقي برجال الأعمال بشأن استصدار قانون يجرم الإضرابات بدلا من اتخاذ مسارات أكثر جذرية بوضع حد أقصى للأجور.
يحدث كل ذلك في ظل إضرابات اتصالات تونس التي يتقاضى فيها ما يزيد عن 65 من كبار الموظفين أجورا خيالية تقدر بثلث الحجم الإجمالي للعاملين بالمؤسسة المقدر ب 8500 موظف.
كما وعدت الحكومة بتوفير 300 ألف فرصة عمل وتشجيع الاستثمار كحل لمشكلة البطالة، لكن ما لبث أن أعلن وزير التشغيل صعوبة تقديم حل نهائي للمشكلة التي طالما ارتبطت بالفساد، لتتفاقم معدلات البطالة في النصف الثاني من عام 2011 إلى 0.6% ليقفز عدد العاطلين بأكثر من 33 ألف عاطل من إجمالي ما يقرب 800 ألف عاطل يمثلون 18.9% من السكان. وشهدت مدينة سيدي بوزيد الاحتجاجات المتوالية بشأن التهميش، كما توالت المظاهرات بشأن الغلاء وتردي الأحوال الاجتماعية.
ربما خلق قمع النظام السابق من الإسلاميين بديلا معارضا طرح نفسه بإلحاح على الساحة. لكن إذا كان البديل يتبع نفس المسارات الاقتصادية من سياسات السوق الحر والمنافسة العشوائية، فهل نتوقع أن تهدأ ثورة أشعلتها البطالة والاستغلال؟ ثورة تونس ستستمر وربما تشهد الأيام القادمة بوعزيزي آخر يحرق نظام اختلف فقط في الوجوه
دينا عمر
المصدر : مامفاكينش

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : هل انتهت الثورة التونسية بصعود الإسلاميين؟
هل انتهت الثورة التونسية بصعود الإسلاميين؟
http://4.bp.blogspot.com/-ZdLjUdbNIpU/T56fFyfH6fI/AAAAAAAABbs/5PAcwwRc5n4/s320/01.jpg
http://4.bp.blogspot.com/-ZdLjUdbNIpU/T56fFyfH6fI/AAAAAAAABbs/5PAcwwRc5n4/s72-c/01.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/04/blog-post_30.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/04/blog-post_30.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy