الريع كمؤسسة للحكم

تتوالى علينا هذه الأيام أخبار إعتقال المناضلين من أجل الديمقراطية في المغرب في قضايا مختلفة إختلاف مخيلات من يلفقونها، فمن قام بعمله...

تتوالى علينا هذه الأيام أخبار إعتقال المناضلين من أجل الديمقراطية في المغرب في قضايا مختلفة إختلاف مخيلات من يلفقونها، فمن قام بعمله جيداً وجد نقطة ضعف يصطاد بها مناضلاً أو إثنين كان ذلك هواية للنبيذ أو حباً للنساء او عشقاً لسيجارة سحرية تنسي الهموم في بلد تضيق فيه  الحياة على من لم يحمل إسم الكتاني أو الناصري، أما من كان أقل حداقة وأفقر مخيلة فيأتي بقضية رأيٍ عنوانها التعرض لهيأة منظمة، بكل ما يعنيه ذلك من تكريس لصورة النظام القاتمة مع مجموعات الدفاع على حقوق الإنسان على المستوى الدولي.

هكذا إذن، وبعد إنكسار شوكة حركة 20 فبراير ولو لحين، تعود خفافيش الظلام لتنتقم من كل من سولت له نفسه أن ”يجيب دسارته على” المخزن. بطبيعة الحال هذا تصرف وإن كان ظاهره طفولي (وهو كذلك إذا نظرنا إلى دوافع صغار الظباط الذين يقومون بالعمل القدر بدلاً عن أسيادهم) فإن عمقه يدل على مدى فهم القائمين على الأمور لمنحى سير هذه الأخيرة. فمن الواضح أن نظام المخزن يعلم جيداً أن وجوده مرهون ببقاء جدار الخوف الذي وجه له الحراك الإجتماعي المغربي، والذي أخد 20 فبراير عنواناً، ضربات موجعة. المخزن يعي تمام الوعي أن بعد عام من الحراك الذي زعزع رواسي المخزن دون أن أن يقتلع واحداً منها، يجب إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بداية الربيع العربي خاصة وأن الظروف ما تزال مواتية، فالنظام لا يزال ينتشي بانتصاره في تسويق مهزلة الدستور الممنوح واللاديموقراطي لعرابيه في الغرب، والثورة السورية لم تخرج بعد من حمامات دم النظام العلوي السفاح أما في مصر فقوى الرجعية توالي الضربات للثوار، وآخرها وصول الإبن الروحي لمبارك وآخر وزير أول في العهد السابق إلى الدور الثاني من الإنتخابات الرئاسية.

الرماد لوناً 

لإعادة الأمور إلى سابق حالها وللتحكم من جديد في كل دواليب المجتمع، ليس أمام المخزن إلا حلين: الترغيب أو الترهيب. أما الأول فيستعمل مع من كان لديه شيئاً يبيعه، إن كان حزباً أو مركزية نقابية أو جريدة ذات شعبية … أما شباب الحراك الفقراء إلى الله فهم كثر ولايزالون في اغلبهم حالمين مما يصعب شرائهم، مع بعض الإستثناءات القليلة بطبيعة الحال. هكذا بدأت الإعتقالات والمتابعات، ومما يثير الإنتباه أن عدداً هذه المتابعات تتم بتهم تقع في المساحة الرمادية لممنوعات المجتمع؛ تناول خمر، تدخين حشيش، ملاقاة شابة من الجنس الآخر …

وهنا أود أن أتأنى قليلاً في الكلام على هذه المنطقة الرمادية. من الواضح أن هناك التباساً داخل المجتمع في علاقتنا مع الدين بصفة خاصة وبالقيم التقلدناية بصفة عامة. فمجتمعنا قد عرف تغيرات كبيرة في تركيبته الإجتماعية وبنيته الإقتصادية أبرزها تحوله من مجتمع بدوي يعتمد على العائلة الموسعة وعلى الأنشطة الزراعية و الرعوية إلى مجتمع مدني في أغلبه تلعب فيه الأسرة النووية دور المركب الأساسي. هذا التحول قد خلق نوعاً من الإختلاط في القيم بين قيم كانت تتماشى وطبيعة الإنتاج الإقتصادي  القديم لكنها مازالت حاضرة في مخيلتنا وثقافتنا بشكل قوي وبين قيم حداثية في ظاهرها مستوردة من الغرب الذي يعيش حقبةً مختلفةً في مسار تطوره الحضاري والقيمي. وهنا لا أريد أن أقارن بين أي القيم أفضل وأيها أكثر موافقةً لمجتمعنا في المغرب. ولكن ما يهمني هو أن أبين إستغلال المخزن لهذا الإلتباس القيمي وعدم تلاؤم الترسانة القانونية والطبيعة الحالية للمجتمع من أجل خلق جو قانوني عشوائي يمكن أن يعتقل فيه المواطن لشرب الخمر من طرف البوليس “التابع” لوزارة الداخلية بينما تستخلص وزارة المالية الضرائب من بيع نفس الخمر. هذه العشوائية المسيطرة على المجتمع هي في الحقيقة سيف مسلط على رقاب العباد، تمسك به يد المخزن التي غالباً ما تضرب ضرب عشواء، لكنها أيضاً لا تفلت الفرصة عندما تراها سانحة لإعتقال أحد المناضلين في قضية من قضايا ألحق العام الكائنة في ميدان الرماد القيمي و القانوني للمجتمع. وهي بذلك تضرب عصفورين بحجر، حيث تسكت المناضلين المزعجين وتديم الخوف داخل المجتمع من السلطة التي يمكنها أن تضرب المواطن متى شاءت.

الفساد والإفساد كوسيلة تحكم

 هذا التحليل لا ينطبق على قضايا الحق العام فقط بل يتعداه إلى ميدان الأعمال، حيث يعيش المغرب جواً من التهرب الضريبي المعمم، مما يجعل الإلتزام الضريبي أشبه بإنتحار إقتصادي بالنسبة لعدد من الفاعلين الإقتصاديين. فكيف يمكن لشركة من الشركات أن تكون تنافسيةً في مجال يوفر فيه كل منافسيها 10 إلى 20 في المئة من كلفة الإنتاج من خلال التهرب الضريبي. من جهة أخرى هناك إحصائيات دقيقة تشير إلى أن أغلب الصفقات العمومية تتأثر بشكل أو بآخر بالمحسوبية التي تنخر الإقتصاد المغربي منذ الإستقلال. وهذه وسيلة أخرى للتحكم في الإقتصاد المغربي وفي المجتمع ككل. فلا يمكن لأي صوت مناهض لحكم المخزن أن يتواجد إقتصادياً داخل المغرب، ولهذا تأثير يتعدى الطبقة البورجوازية إلى الطبقة العاملة، ففي إطار قانونٍ للعمل يقف إلى جانب الرأسماليين في مضمونه كما في تطبيقه من طرف السلطة العمومية، تصبح لقمة العيش في يد “الباطرون” كما “الباطرون” في يد المخزن. ولقد سمعنا خلال احتجاجات 20 فبراير عن حالات الطرد لعمال بسبب التزامهم النضالي إلى جانب الحركة واحتضانهم لمطلب “الحرية ،الكرامة والعدالة الإجتماعية”. وكل متتبع لتاريخ النضال الديمقراطي والنقابي في المغرب يعلم أن هذا ليس بجديد على المخزن.

إلى جانب الشق الإقتصادي يعمل المخزن على إفساد كل مشاريع التنظيم السياسي والنقابي والمدني للشعب المغربي، من خلال الإختراق والقمع الممنهج للأحزاب ذات الولادة العضوية وخلقه لأحزاب ومنظمات عمل مدني دون تمثيلية شعبية من أجل خلط الأوراق وإستعمالها من أجل تزوير إرادة الشعب. وأستحضر هنا مثالاً الإتحادين: حزب الإتحاد الدستوري الذي خلق في 1983 ليصبح، وفي وقت قياسي، أول قوة سياسية ممثلة في برلمان 1884 من خلال تجييش الأعيان وأعوان السلطة وإستعمال المال الحرام. وحزب الإتحاد الإشتراكي الذي تحول من حزب القوات الشعبيية، الذي أعطى مئات الشهداء للنضال الديمقراطي في المغرب، إلى دكان آخر من الدكاكين الإنتخابية بعد سنوات من سياسة تدمير مممنهجة اعتمدت في شقها الأول على إبعاد المناضلين الحقيقين عن طريق الإغتيالات، والنفي والإعتقالات وفي شقها الثاني على الاختراق وشراء الذمم حتى وصل “الحزب العتيد” إلى مرحلة يدافع فيها فيلته عن أحد مختلسي المال العام، ويقود الفيلة أحد رموز الإقطاع المسيطرين على منطقة بأسرها من مناطق المغرب.

الريع كمؤسسة حكم

هكذا إذن أصبح لدينا مشهدٌ سياسيٌ مشردمٌ وفاقدٌ للتمثيلية الشعبية مما يجعله غير قادر على مقارعة الحاكمين ولا على فعل أي شيء سوى التزاحم أمام موائد الريع السياسي. أصبح لدينا إقتصادٌ ينخرره الفساد من كل الجهات، وإدارة تتغاضى عن هذا الفساد بل تشجعه وتستفيد منه من أجل التحكم في المجتمع من جهة ثم من أجل تفريق المقابل المادي على كل من يعينها على إتمام عملية التحكم. فإلى جانب العصا تأتي الجزرة لإتمام دائرة تقييد إرادة المجتمع وإبقائه تحت رحمة المتسلطين. الريع في كل مكان حتى أصبح محل الهواء في بلدنا. بدءًا من أسفل هرم السلطة وحتى قمة الهرم. إلى درجة أن الكثير ممن في أسفل هرم السلطة يتقاضون أجراً زهيداً لا يسد الرمق، لكنهم يكملونه بتقاضي نصيبهم الزهيد من الريع (مقدمين، قوات مساعدة …). أما من يحتل مرتبة متوسطة في هرم السلطة فيعيش في أبهة تليق بمقامه وتستلزم أضعاف مايتقاضاه من اجر رسمي لقاء عملهم في جهاز من أجهزة الدولة (قضاة، قياد محليون، عمداء شرطة …). الريع ادن بند من بنود العقد الضمني الذي يربط مكونات المخزن ببعضها البعض. بند مسكوت عنه يضمن ولاء كل من يشتغل في الأجهزة المهمة في عملية التحكم. بل الريع هو المؤسسة الأساسية للحكم والتحكم في المغرب.

باسطا – Basta@

المصدر :  مامفاكينش

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : الريع كمؤسسة للحكم
الريع كمؤسسة للحكم
http://3.bp.blogspot.com/-0clFfyMJ1h8/UBSJLod56_I/AAAAAAAABfk/8q2Wciha9Pg/s1600/sainmy8989.jpg
http://3.bp.blogspot.com/-0clFfyMJ1h8/UBSJLod56_I/AAAAAAAABfk/8q2Wciha9Pg/s72-c/sainmy8989.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/07/blog-post_29.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/07/blog-post_29.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy