Archive Pages Design$type=blogging

هل تكون الجزائر 'باكستان' الشمال الافريقي؟

نبيل نايلي 'إن تورّط الجزائر في مالي ضد تنظيم القاعدة من شأنه أن يشعل فتيل صراع مرير في الداخل في بلد لا يزال يتعافى من آثار...

نبيل نايلي

'إن تورّط الجزائر في مالي ضد تنظيم القاعدة من شأنه أن يشعل فتيل صراع مرير في الداخل في بلد لا يزال يتعافى من آثار حرب أهلية دامية إبان تسعينيات القرن الماضي أودت بحياة 150 ألف جزائري!' نقلا عن مجلة التايم الأمريكية.
إذا كان البيان الرسمي الصادر عن الخارجية الجزائرية، بخصوص زيارة هيلاري كلينتون ومحادثاتها مع الرئيس بوتفليقة وكبار المسؤولين الجزائريين، قد أشار إلى ما سمّاه 'تعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية بين البلدين'، فإنّ القضايا التي تمّ تناولها وتدارسها تتّسم بأهمية بالغة لا تخصّ أمن وموارد ومستقبل الجزائر بمفردها وإنما تتجاوزها إلى دول الجوار وما قد يتهدّد كامل الشمال الأفريقي ويجرّ المنطقة بأسرها نحو مزيد من التشظّي والدّفع بها نحو شفير هاوية التدخّل فالإنفجار! 
كلاّ، ليس الاختلاف في التصنيف ولا التعاطي مع ما يجري بمالي، هو ما دفع بوزيرة خارجية الولايات المتحدة إلى الحضور على عجل والتدارس مع صنّاع القرار بالجزائر، سيما وأنّ الولايات المتحدة وفرنسا اللتين تصنّفان 'جماعة أنصار الدين' كجماعة إرهابية حالها حال 'التوحيد والجهاد'. هذا بعض أوجه خلاف مُعلن أم المخفيّ فله علاقة بأسلوب وشكل وحدود وغايات التدخّل، ممّا تواريه لغة هيلاري الدبلوماسية وتصريحاتها المجاملة: 'أثمّن كثيراً تحليل الرئيس بوتفليقة الثري بتجربته الطويلة حول المنطقة لمواجهة الوضع المعقّد للغاية والإشكاليات كثيرة التعقيد في شمال مالي وكذا لمواجهة مشاكل الإرهاب والاتجار بالمخدرات في المنطقة'!
الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تعلمان أنّ الجزائر تملك الجيش القوي والمعلومات الإستخبارية والخبرة في مكافحة الإرهاب وهي التي تصدّت على مدى السنوات الأخيرة للـ'جماعة الإسلامية المسلّحة' ثم 'الجماعة السلفية للدعوة والقتال' التي انبثق عنها ما يسمّى بـ'تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي'، علاوة على النّفوذ الذي تملكه على 'الطوارق' وهي التي رعت ولا تزال المفاوضات بين مالي والمتمرّدين. هذا ما يؤكّده مسؤول في وزارة الخارجية كان يرافق هيلاري كلينتون بقوله: 'إنّ الجزائر هي أقوى دول الساحل، الجزائر يجب أن تكون في صلب الحل للخروج من أزمة شمال مالي المحاذي لحدودها'!
ما يراد للجزائر وفي حدوده الدنيا هو لعب دور أشبه ما يكون بالدور المناط بعهدة باكستان في حرب الإمبراطورية على 'حركة طالبان' و'تنظيم القاعدة' الموظّفة هي الأخرى، بما يعنيه ذلك من انخراط جزائري وتسليم المعلومات الإستخبارية عن الإسلاميين الناشطين في مالي والسماح بتحليق طائرات التعقّب والترصّد والتصفية. ما رشح من معلومات نشرت بعضها صحيفة 'الخبر' الجزائرية، يفيد بأن 'قيادة الجيش وفرع أجهزة الأمن المتخصّصة في مكافحة الإرهاب أمرت بشنّ عمليات نوعية ضد قيادات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا،في إطار عمليات استباقية ضد الجماعات الإرهابية'. فهل يكون ذلك بداية التنفيذ لما تمخّضت عنه مباحثات هيلاري كلينتون والمسؤولين الجزائريين؟ 
مجلة التايم الأمريكية ذهبت أبعد من ذلك لتكشف أن شكل التدخّل العسكري في مالي سيكون 'النّموذج الذي يُحتذى به ليُعتمد فى تسوية صراعات أخرى قد تنشب في المستقبل لاسيما في وقت تعزف فيه أمريكا وأوروبا عن خوض أو الانخراط في أي حروب أخرى'. هذا ما يؤكّده أحد المستشارين الخاصين لمؤسسة بحوث استراتيجية باريسية، هو فرنسوا هايزبورغ، Fran'ois Heisbourg، حين يقول: 'إننا نتحرّك الآن قدما نحو تشكيل تدخّل سيكون أكثر قربا لحقبة ما بعد الحرب على أفغانستان عن أية حقبات تاريخية أخرى... فإذا ما نظرنا إلى أشكال التدخّلات العسكرية في المستقبل، فلن يكون أي منها مماثلا للحرب على العراق وأفغانستان'. الخطط التي تمّ صياغتها، هي الأخرى، تعزّز هذه المقاربة إذ أنّها 'ستعتمد بشكل أساسي على عدم إرسال قوات برية غربية على الأرض بل ستعمد إلى إيفاد قوات من اتحاد دول غرب أفريقيا تقدّر بنحو 3200 جندي إضافة إلى قوات من مالي يبلغ عددها 3000 تم تدريبها بواسطة الاتحاد الأوروبي.' بالإضافة إلى قوات خاصة أمريكية وفرنسية، مدعومة بطائرات استطلاعية واستخبارية دون طيار، Drones، تتولّى تدريب وتأهيل وإرشاد الجيوش الأفريقية ودعمها لوجستيا. إلاّ أنّ القائمين على هذه الخطط يرهنون نجاحها بانضمام جيش الدفاع الجزائري. فهذا تقرير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، Carnegie، يلحّ على أنّ 'الجزائر في وضع مميّز يمكّنها من التأثير في مجرى الأحداث الآنية في مالي'، بل يقرّ أن 'ليس هناك دولة تتمتّع بهذا الحجم والنّفوذ العسكري كالذي تمتاز به الجزائر'.
سياسة المشي على الحبال، وإن بدت في هذه المرحلة مغرية، ليست آمنة والتورّط في هذا الملف الإنفجاري أكثر من خطير، وسيناريوهات خوض حروب بالوكالة، لا يخدم مطلقا لا أمنا ولا قرارا سياديا، وإن اكتفت 'العمليات النّوعية' المزمع شنّها 'الحدود الجزائرية'، وما أكّده الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بحضور وزيره المنتدب المكلّف بالدفاع الوطني، عبد المالك قنايزية، بخصوص 'الانعكاسات الوخيمة على الجزائر، سواء فيما تعلّق بنزوح آلاف اللاجئين، أو احتمال انتقال الاضطرابات إلى المناطق الجنوبية للجزائر'، ليس إلاّ أخفّها! من سيفتح هذا الباب الجهنّمي سيشرع، شاء أم أبى، أسوار الجزائر العصية، فهل يتعظون؟ بعض دول الساحل التي تخضع اليوم أو خضعت للإبتزاز الفرنسي أو الأمريكي، تسعى جاهدة لتوفير الظروف المؤدية إلى تدخّل عسكري أجنبي، وعلى صانع القرار بالجزائر أن ينتبه لما يدور حوله.
إذا كانت الذريعة التي يتحجّج بها الأمريكيون والفرنسيون هي 'الإرهاب'، الفزّاعة التي يوظّفونها متى شاؤوا ويجيّشون الجيوش لمحاربته متى قرّروا. فأي إرهاب هذا الذي يُصبح محمودا حين يخوض حروبهم بالوكالة فيعبّد الطريق لدبّاباتهم وأساطيلهم؟ أليس ذات الإرهاب الذي يكاد يحوّل سورية اليوم إلى ركام ودولة فاشلة؟ أليسوا هم من يفرّخونه ويوفّرون له سُبل التناسل كالفطر السام يستثمرون فيه ويبتزّون به؟ هذا عن الإرهاب، فماذا عن الإستقرار الإقليمي؟ أليست الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي من أغرقوا ليبيا بالأسلحة، بل وتركوا عمدا مخازن العتاد للنّهب والسرقة دون رقيب أو حراسة وفّروها لآبار النفط أياما قبل التدخّل، حتى بلغ بعضها تونس والجزائر ومصر وغزة، بل ونيجيريا أيضا! ألم تعمد وزارة الدفاع الأمريكية إلى رصد ميزانية قُدّرت بحوالي 40 مليون دولار من أجل شراء أو إسترجاع صواريخ ستينغر الضائعة والتي بلغ عددها 20 أ لفا، ولا تزال تشكّل كابوسا أمنيا؟ لماذا تعاموا على ما لا يقلّ عن 250 سيارة مشحونة بالأسلحة خرجت من ليبيا وتوجّهت إلى شمال مالي؟ ذات الأسلحة التي شكّلت الإمداد العسكري الأكبر للمتمرّدين والقاعدة والمتطرّفين، ومن أوصلت منطقة شمال مالي إلى الحالة التي تبرّر الآن إصرار الأمريكيين والفرنسيين على العودة، في ظلّ التحلّل والتشظّي الأمني والكياني والسيادي الليبي والصومالي والمالي وتنامي قوة المارد الذي يستنسخونه بحسب أطلس الموارد ومصادر الطاقة، يوظّفونه متى شاؤوا، فزّاعة أو شمّاعة أو أداة أو ذريعة؟
كبير أعيان طوارق منطقة الأهقار المحاذية لشمال مالي، والنائب في البرلمان عن ولاية تمنراست، السيد محمود قمامة، شدّد، في تصريحه لصحيفة 'الخبر' الجزائرية، على رفضه للتدخّل العسكري مطالباً الحكومة الجزائرية بـ'الصمود' والتزام موقفها، قائلا: 'ما تطلبه أمريكا وفرنسا من تدخّل أجنبي سيخلق الكثير من المشاكل، ونحن كأعيان منطقة الأهقار نطالب الجزائر بالصمود في موقفها ضد التدخّل الأجنبي'.
نعم، محمود قمامة لا يجانب الصواب مطلقا حين يقرع ناقوس خطر لا بد من التنبّه إليه قبل أن يسبق سيف دمقليطس الأمريكي عذل المسؤولين بالجزائر، محذّرا: 'نعرف وفق كل التّجارب السابقة بداية التدخّل الأجنبي، لكنّنا لا نعرف له نهاية، وما حدث في ليبيا خير دليل على ذلك... أنا أعرف المنطقة وأدرك المخاطر التي تتهدّدها. التدخّل الأجنبي في شمال مالي له أهداف إستعمارية!'
هيلاري كلينتون، والأمريكيون، عينهم على الجزائر وعلى كامل المنطقة ومواردها، أما الأمن الأفريقي، ما لم تُهدّد مصالحهم الحيوية، فآخر اهتماماتهم! ومن يستمع لوزيرة الخارجية الأمريكية وهي تؤكّد على أنّ 'الحوار مع السلطات الجزائرية حول هذه النقطة سيتواصل، سواء في إطار لقاءات الخبراء، أو في إطار العلاقات الثّنائية، أو ضمن المنظّمات الإقليمية والدولية، مثل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة'، يُدرك مدى الإصرار الأمريكي على الزجّ بالجزائر في أتون حروب الأشباح بالوكالة، فهل سيصمد صانع القرار الجزائري لكي لا تتحوّل الجزائر إلى 'باكستان' الشمال الأفريقي؟ 

' باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس
اقرا من هنا الموضوع من مصدره

تعليقاتكم

الاسم

أدب و فنون أعمدة مغربية اقتصاد و إعلام الربيع العربي المزيد جديد الكتب و المجلات حريات و حقوق دراسات حول المجتمع المغربي سياسة مغربية علوم وتكنولوجيا عمال و نقابات في دقائق مجتمع مدني مواقف حزبية
false
rtl
item
مدونة الشعب يريد : هل تكون الجزائر 'باكستان' الشمال الافريقي؟
هل تكون الجزائر 'باكستان' الشمال الافريقي؟
http://www.alquds.co.uk/today/09qpt698.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_10.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_10.html
true
3090944207328741838
UTF-8
القائمة بحث تعليقات الصفحة غير موجودة المزيد تابع الموضوع رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية صفحات أقسام المزيد اخترنا لكم قسم أرشيف بحث لم يتم العثور على ما تبحث عودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت الاحد الاثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نونبر دجنبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago