Archive Pages Design$type=blogging

الدولة الفلسطينية المراقِبة وإحيـاء السـياسـة

فواز طرابلسي في يوم واحد، فُتَح مدفن الرئيس الراحل ياسر عرفات لأخذ عينات من رفاته على أمل الكشف عما اذا كانت وفاته ناجمة عن التسميم  ب...

فواز طرابلسي
في يوم واحد، فُتَح مدفن الرئيس الراحل ياسر عرفات لأخذ عينات من رفاته على أمل الكشف عما اذا كانت وفاته ناجمة عن التسميم بمادة البولونيوم ٢١٠، ثم أعيد دفن رفات القائد الفلسطيني التاريخي وتشييعه بمراسيم تليق به كـ «رمز»، بحسب ما ورد في البيان الرسمي. 
ليست تشكو المناسبة من الرمزيات والمفارقات والمصادفات ما يسمح بأن يشطح الخيال عنها بلا حدود. تكفي زلّة اللسان حول دفن «الرمز» لاثارة تعليق يقول ان الرمز لا يدفن على اعتباره، تعريفا، عاصيا على الموت. وقد يخطر لخبيث ان يأخذ عملية اعادة الدفن على اعتبارها تأكيدا لدفن الامل بالدولة الفلسطينية او بحق العودة الذي اعلن الرئيس محمود عباس التخلي عنه ثم تراجع. وقد يكون من قبيل المصادفة ان تقع عملية اعادة الدفن قبل يومين من الموعد المفترض لتقديم السلطة الفلسطينية الطلب الرسمي الى الجمعية العمومية للامم المتحدة للاعتراف لفلسطين بمكانة الدولة المراقِبة وغير العضو في المؤسسة الدولية. لكنها مصادفة ليست خلوا من المعاني. 
ترفض اسرائيل المبادرة بعنف وقد هدد بنيامين نتنياهو غير مرة بفرض عقوبات اقتصادية على السلطة إن هي استمرت بها. وتدور التكهنات في تل ابيب عما اذا كان رئيس الوزراء الاسرائيلي سوف ينفذ تهديداته، او انه سوف يتكلّ على ضغوط قوية تمارسها واشنطن على الرئيس عباس للتخلي عن مسعاه. بلغ النفاق بالناطق الرسمي في «البيت الابيض» حد القول ان المبادرة ليست تخدم في تحقيق «الاستقلال الفلسطيني». وتزداد المعارضة الاميركية ـ الاسرائيلية للمبادرة ـ التي تلقى تأييد حركة «حماس» ـ خصوصا انه مقدّر لها ان تحصد نحو ١٥٠ صوتا في الجمعية العمومية ما يسمح بتحقيق الاعتراف المنشود. 
ليست المصادفة الزمنية هي وحدها ما يجمع بين التحقيق في اغتيال الرئيس عرفات والمعركة الديبلوماسية في الامم المتحدة. يجمع بينهما المؤمل انتزاعه عن طريق تلك الخطوة. فمكانة الدولة المراقِبة تمنح فلسطين ميزتين. الاولى هي بدء تعاطي المجتمع الدولي مع النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيي على انه نزاع بين دولتين وليس بين دولة وكتلة بشرية لا موقع واضحا لها في القانون الدولي. وهذا يعني في ما يعنيه صلاحية السلطة الفلسطينية بأن تتقدم بالشكاوى امام المحكمة الجنائية الدولية. وهنا الميزة الثانية. وقد صرّح الرئيس عباس انه في حال قبول المنظمة الدولية منحه تلك «المكانة» سوف يتقدّم بشكوى الى المحكمة الجنائية الدولية تتهّم اسرائيل باغتيال الرئيس السابق للسلطة الوطنية الفلسطينية. وما ينطبق على تهمة الاغتيال يمكن ان ينسحب على اتهام اسرائيل بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وما شابه. وهذا اخشى ما تخشاه السلطات الاسرائيلية. 
من جهة ثانية، تقرع التطورات في فلسطين المحتلة اجراس انذار تستدعي أخذها بما تستحقه من الجدّ. 
التطور الاول هو اعلان ايهود باراك اعتزاله السياسة. ليس الرجل مجرد قائد لحزب العمل ورئيس وزراء سابق ووزير للدفاع، انه مهندس السياسة الحربية الاسرائيلية على مدى ربع قرن وصاحب النظرية القائلة انه لا يوجد مفاوض فلسطيني للسلام مع اسرائيل، وهي النظرية التي سوّغت اغتيال ياسر عرفات والتي تدفع الآن بوزير الخارجية افيغدور ليبرمان الى نزع الصفة التفاوضية عن محمود عباس والدعوة الصريحة الى تقويض سلطته. والموضوع يتعلّق بليبرمان، شريك نتنياهو في الانتخابات النيابية المقبلة ومشروع نائبه عند تحقيق الاندماج بين حزبيهما، بالتمام والكمال. 
فقد تكشفت الانتخابات التمهيدية لاختيار لائحة حزب الليكود لتلك الانتخابات عن هزيمة منكرة لنتنياهو. سقط فيها اقرب المقربين اليه من قادة حزبيين ووزراء ونواب يعتبرون من «المعتدلين»، على افتراض انه يوجد معتدلون في حزب الليكود! ونجح افراد معروفون بأنهم الاكثر تطرفا في اليمين الاسرائيلي المتطرف والاقرب الى اصحاب مصانع السلاح والمستوطنين. ولا يكتمل ادراك هذا الجنوح المتزايد الى اقصى اليمين المتطرف في الرأي العام الاسرائيلي، الا بالتذكير بأن وزارة الدفاع في حكومة ما بعد الانتخابات معروضة على ليبرمان بالذات، اي ان رئيس حزب «اسرائيل بيتنا» سوف يكون مسؤولا بعد اشهر معدودة عن السياسة الحربية لاسرائيل وعن إدارة الاراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع وعن العلاقات مع مصر. 
صرّح ايهود باراك خلال الحرب على غزة «لن نتوقف الا حين تركع «حماس» وتتضرّع من اجل وقف اطلاق نار». الاحرى انه هو ورئيسه، إن لم يركعا، فقد تضرّعا لانقاذ الجيش الاسرائيلي من التورّط في الحرب البرّية في غزة. بغض النظر عما اذا كان هذا الفشل ورد ام لم يرد بين دوافع باراك الى الاستقالة والاعتزال السياسي، فانه بمثابة الاعتراف المدوّي بفشل جولة جديدة من العنف الدموي الاسرائيلي. 
قبل السؤال عن الكيفية التي سوف تجري بها مواجهة هذا الانقلاب الجذري في تركيبة السلطة في اسرائيل ـ وليس مجرد الجنوح اليميني العنصري الاجلائي المتفاقم فيها ـ يجدر طرح سؤال في الحد الادنى: هل يمكن للسلطة الفلسطينية مقاومة التهديد الاسرائيلي والاملاءات والضغوط الاميركية بخوض المعركة الديبلوماسية والسياسية في الامم المتحدة الى نهايتها؟! 
ليس في الامر الكثير. فيه ما يسمح بإحياء السياسة بمعناها النضالي المشرّف: بما هي الواسطة التي يسيطر فيها البشر على مصائرهم ومصالحهم وتطلعاتهم ويغيّرون بها موازين القوى بينهم وبين اعدائهم وخصومهم لمصلحتهم. وفيه ما يعطي الامل ولو لاهل غزة الصامدين والمنكوبين يقول لهم ان صمودهم سمح لقيادات مزعزعة بأن تقف ولو مرة على قدميها. 
ليس في الامر الكثير. فيه التأكد من عدم الحاجة الى دفن ياسر عرفات ورمزه مرة ثالثة.

اقرأ من هنا الموضوع من مصدره

تعليقاتكم

الاسم

أدب و فنون أعمدة مغربية اقتصاد و إعلام الربيع العربي المزيد جديد الكتب و المجلات حريات و حقوق دراسات حول المجتمع المغربي سياسة مغربية علوم وتكنولوجيا عمال و نقابات في دقائق مجتمع مدني مواقف حزبية
false
rtl
item
مدونة الشعب يريد : الدولة الفلسطينية المراقِبة وإحيـاء السـياسـة
الدولة الفلسطينية المراقِبة وإحيـاء السـياسـة
http://2.bp.blogspot.com/-LClbzL5vqcc/Tpgx_TBmm0I/AAAAAAAAAc8/mQuPcJ2_KAU/s320/aden-na_99881.JPG
http://2.bp.blogspot.com/-LClbzL5vqcc/Tpgx_TBmm0I/AAAAAAAAAc8/mQuPcJ2_KAU/s72-c/aden-na_99881.JPG
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_29.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_29.html
true
3090944207328741838
UTF-8
القائمة بحث تعليقات الصفحة غير موجودة المزيد تابع الموضوع رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية صفحات أقسام المزيد اخترنا لكم قسم أرشيف بحث لم يتم العثور على ما تبحث عودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت الاحد الاثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نونبر دجنبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago