سوريا: حكومة جديدة أم مـرحـلـة جـديـدة

لا يستطيع أي صديق للثورة السورية إلا أن يستنكر ويدين التصريحات الأخيرة لهيلاري كلينتون ضد «المجلس الوطني السوري» ودعوتها لضرورة تجاوزه ب...

لا يستطيع أي صديق للثورة السورية إلا أن يستنكر ويدين التصريحات الأخيرة لهيلاري كلينتون ضد «المجلس الوطني السوري» ودعوتها لضرورة تجاوزه بعد تقريعه على سوء الإدارة. يحمل التصريح من الاستهتار والاستعلاء والإهانة ما يعيد التذكير، لمن نسي أو تناسى، بأننا لا نزال أمام إمبراطورية أميركية يدّعي القائمون عليها امتلاك حق التصرف الصلف في مقدرات البلدان ومصائر الشعوب وحركاتها وأنظمتها السياسية. نقول هذا بغض النظر عن رأينا في سياسات «المجلس الوطني السوري». فالتهجم الأميركي الرسمي عليه لا يبرئه بقدر ما يدينه وفق قاعدة «من يهن...». ولكن يبقى أن من يحق له محاسبته هو الشعب السوري وقوى الثورة في مواقع البطولة والتضحيات. 
ترافق تصريح وزيرة الخارجية الأميركية مع الانتقال بالأزمة السورية من مطابخ أنقرة ـ المستغنى عنها موقتاً، اللهم إلا للأغراض العسكرية واللوجستية ـ إلى مطبخ الأردن ـ لاستيعاب رئيس وزراء فار ـ فالعودة إلى الدوحة، وقد همّش دورها ودور إعلامها لفترة، وبالرعاية الأميركية إياها. 
فالتحية أولاً للقلة من المعارضين السوريين الذين رفعوا الصوت استنكاراً لهذه الطريقة في التعاطي مع شعبهم وثورتهم، أو رفضوا الامتثال لاستدعائهم إلى الدوحة بلا كيف. وهم قلة قليلة. 
على أن من وصف «الاستغناء» عن «المجلس الوطني» ـ مع أنه لا يبدو أن في الأمر استغناء أصلاً ـ «خطأ استراتيجي» ترتكبه السياسة الأميركية لأن الطرف المعني هو الوحيد الذي يصر على «سقوط النظام». ليست المشكلة في الاستغناء عن «المجلس الوطني» أو عدم الاستغناء عنه. المشكلة في أن سقوط النظام ليس بنداً على جدول أعمال الأدوار الأميركية في الثورات العربية. فمن تابع تلك السياسة منذ بدء الثورة السورية، يلاحظ مدى تهافت نظرية التدخل العسكري بوجهيها ـ الوجه المؤامراتي الذي يدفع إلى الانحياز إلى النظام بناء على حتمية حصول التدخل، أو الوجه الخلاصي لمن يرحب بالتدخل أو يستدعيه استدعاء ـ علماً أن أصحاب النظرية من الوجهين لم يشرحوا لنا بعد أسباب عدم حصول التدخل العتيد بعد سنة وثمانية أشهر من انطلاقة الثورة. 
عمدت الإدارة الأميركية منذ البدء إلى تلزيم الأزمة السورية لأطراف عربية وإقليمية ومن ثم دولية (تركيا، قطر، الجامعة العربية، وصولاً إلى شراكة أميركية روسية في مبادرة كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي عن طريق مجلس الأمن) واعتمدت السياسة ذاتها، المعتمدة منذ بداية الثورات العربية، بالدعوة إلى تنحي الرئيس، من أجل إنقاذ النظام بقاعدته العسكرية ـ الأمنية، وتوجهاته النيوليبرالية، وحراسته للأمن والاستقرار على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، بعد تطعيمه بعناصر من المعارضة الرسمية والتقليدية وخصوصاً بعد إقصاء الجماهير الثائرة، وفي مقدمها الشباب، عن الفعل والتأثير من خلال حضوره في الساحات والشوارع. 
وقد اقتفى الرئيس بشار الأسد أثر زميله المخلوع علي عبد الله صالح في ملاقاة تلك السياسة: رفع فزاعة الإرهاب الدولي، واستدعاه استدعاء بسياساته الحربية الدموية أو بالدعوة الاستخبارية الصريحة، لغرض تحييد الإدارة الأميركية أو حتى استمالتها؛ وواكب النظام السوري كل مسارات التعريب والأقلمة والتدويل محولاً إياها إلى مهل إضافية على أمل تحقيق انتصار عسكري لا حظوظ لتحقيقه. واستخدم كل أنواع «الخورجة» هذه لإنكار أسباب الثورة وتحويل الملايين من أبناء الشعب السوري المحتجين سلمياً إلى مجموعات إرهابية مسلحة ـ بات الآن المطلوب «استئصالها»، حسب آخر مصطلحات الإعلام الرسمي ـ وأخيراً ليس آخراً، طمس مطالب تلك الجماهير وحقوقها المشروعة. 
ولن ننسى كلام هيلاري كلينتون عن أهمية تطمين الأقليات الذي لقي صدى مزايداً عند السيد لافروف الذي اعتبر حماية الأقليات هي المبرر الأول لبقاء الرئيس الأسد في السلطة. ولم يفت الأخير أن يتمثل الدور كاملاً فتولى تسليم المناطق ذات الأكثرية الكردية إلى الحزب الكردي الحليف لحزب العمال الكردستاني، وحلفائه، فيما دعت أجهزته الأمنية المسيحيين إلى التسلح في إطار «اللجان الشعبية». 
مهما يكن من أمر، فإن وضع «الأقليات» على جدول الأعمال ينذر بحلول على الطريقة اللبنانية تنطوي على إعادة تشكيل الحياة السياسية (والعسكرية والأمنية) على قاعدة محاصصات وتوازنات طوائفية ومذهبية وأقوامية (الأكراد). 
بحجة الانغماس في الانتخابات الرئاسية أو بعدمه، بذريعة انقسام المعارضات أو عدمه، كان الموقف الأميركي المتفرج على الأزمة الدموية السورية يرى إلى النظام السوري يدمر بلده بنفسه، بالوحشية التي نشهدها عاجزين، ما ينوب عن أي تدخل، بل يغني حتى عن التسرع في البحث عن حل. فما عدا مما بدا الآن؟ وهل من تحوّل في النهج الأميركي؟ 
اللافت في المبادرة الأميركية ـ الخليجية الجديدة هو التركيز هذه المرة، ولأول مرة، على تشكيل حكومة توحد المعارضة وتقودها. يريد البعض تفسير ذلك على أنه تجهيز للمعارضة لاستقبال الولاية الجديدة للرئيس أوباما، في حال فوزه بالطبع. وثمة من ينظر إلى النقلة على أنها تعبير عن تزايد القلق الأميركي من تنامي دور العناصر الجهادية في صفوف المعارضة المسلحة ما يدفع إلى واحد من خيارين أو كليهما معاً: دعوة المعارضة المسلحة لتطهير صفوفها والاستعجال في البحث عن حل سياسي. تبقى هذه التفسيرات في باب الاحتمالات. علماً أن قلقاً من تنامي دور الجهاديين عادة ما يدفع إلى دعم القوى الإسلامية «المعتدلة» وهذه متواجدة في «المجلس الوطني السوري» قبل سواه. 
مهما يكن، فالحد الأدنى مما يمكن قوله هنا ان إلقاء الثقل الأميركي على الحكومات يلتقي المبادرات الروسية في منتصف الطريق، وموسكو تنادي منذ البدء بأولوية تشكيل حكومة اتحاد وطني على الحوار الوطني وعلى البحث في مصير رئيس الدولة. هل هي خطوة أميركية نحو التسوية مع روسيا على حل، أو تنظيم المنافسة الأخيرة بين خيارين أولويتين: التنحي أو حكومة الاتحاد الوطني؟ 
لكن أية قوة سوف تستطيع أن تفرض مثل هذا الخيار الاختزالي على شعب لا يزال يتظاهر كل يوم جمعة، وسط الخراب وتحت وابل البراميل المتفجرة ويتحدى المجازر والأرقام القياسية لعدد القتلى اليومي ليقول إصراره على الحرية وبناء سوريا جديدة ديموقراطية تعوّض ولو جزئياً عن تضحياته وتليق بشعب سوريا وطموحاته؟ 
وكان ينقص هذ العالم السوري المقلوب فوق رؤوس أبنائه هذ الخبر: 
أصيبت سيارة إسرائيلية في هضبة الجولان المحتل (والمضموم) بـ«رصاصات طائشة» مصدرها الجهة السورية من الهضبة غير المحتلة (وغير المضمومة). 
يا للطيش! 

Fawwaz.traboulsi@gmail.com
اقرا هنا الموضوع من مصدرخ

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : سوريا: حكومة جديدة أم مـرحـلـة جـديـدة
سوريا: حكومة جديدة أم مـرحـلـة جـديـدة
http://mepanorama.mepanorama.netdna-cdn.com/wp-content/uploads/2012/07/Fawaz-traboulsi-2301.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_6751.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2012/11/blog-post_6751.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy