révolution

حملة " تمرد " المصرية .. ثورة داخل الثورة

نشر بواسطة محمد السلايلي السلايلي محمد on الأربعاء، 26 يونيو، 2013 | 26.6.13


كالبركان انفجر التمرد. اليوم مؤتمر لتسليم مليوني استمارة في شبين بالمنوفية. من ثلاثة أيام مؤتمر بالمحلة لتسليم شيء مرعب لأي سلطة وأي دولة. ولكن أكثر ما يمكن أن يبهر في هذه الحملة هو الزخم الذي تلاحظه إذا رفعت استمارة تمرد في الشارع أو في الشركة: التسابق ليس فقط على التوقيع ولكن على تصوير الأوراق والقيام بجمع التوقيعات. مجموعات تتشكل في الأحياء وأماكن العمل لتوزيع الأوراق. النقاش. النقاش عن أداء الإخوان وأهدافهم ولماذا يجب أن يرحل أول رئيس مدني منتخب.
250 ألف استمارة، يتحول إلى موكب كأنه « المحمل » حيث يتجمع الأهالي في مسيرة حاشدة استمرت ساعتين تودع أعضاء الحملة والاستمارات. التحضير للتجمهر في الشوارع، في الميادين، أمام القصر الرئاسي على قدم وساق. حملات مفتوحة ومعلنة للتبرع بمستلزمات هذا اليوم (لقد أصبح المصريون أساتذة العالم في تنظيم الاعتصامات). شباب يعلنون مسيرة من الإسكندرية رافعين راية التمرد إلى الاتحادية، يجمعون التوقيعات من كل بلدة على الطريق. مؤتمر عمالي يجمع ممثلي الشركات التي تخوض صراعا مريرا ضد الدولة يبعث فيه الحضور رسالة إلى الدولة: هذه أسماؤنا نعلن تمردنا. الملايين حتى الآن وضعوا أسماءهم ورقمهم القومي في رسالة إلى الدولة: نعم أنا. أنا، وهذا رقمي وعنواني. أنا أعلن تحديّ للدولة. وسوف ننزل الشوارع يوم 30 يونيو حتى تنفذ مطالبنا. يسقط حكم محمد مرسي مبارك.

احتجاجات اجتماعية ونضالات سياسية
لا يمكن أن نفهم هذا إلا إذا تذكرنا أن هذه الحملة تأتي على أرضية من التمرد الواقع على الأرض، تقريبا في كل مكان. مصر تقود العالم كله في الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بمعدل احتجاجين في الساعة. تقود العالم في النضال في المصانع والشركات ضد الفساد والإفقار والسيطرة على الشركات والتثبيت والحد الأدنى للأجور وغيرها، وفي الأحياء والشوارع ضد الإفقار بجميع صوره وضد عسف الدولة. هذه الموجة من الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي الاقتصادي بالأساس وجدت لها تعبيرا سياسيا في رسالة إسقاط هذا الحاكم والاستمرار في الثورة. إن حملة تمرد جاءت كما الفيضان السياسي يرتفد من النضالات الاقتصادية والاجتماعية الجزئية. من هنا يأتي الزخم. فهو لا يأتي فقط من الإفقار والظلم واستمرار سياسات مبارك وتناقضات مرسي، بل يأتي من الاحتجاجات عليها. فالإضرابات والاحتجاجات في الفترة الماضية كانت المصل ضد الإحباط (وهو أعدى أعداء الثورات). والعكس صحيح، فالحملة السياسية نفسها تزيد وستزيد النضالات والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
علينا في الفترة القصيرة القادمة أن نسعى إلى ربط نضالات الطبقة العاملة والجماهير الكادحة بشكل أكثر بروزا بالحملة. علينا أن نعلن في كل موقع عمل سحب الثقة من محمد مرسي في مشهد علني وبالأرقام. إن دخول الطبقة العاملة بشكل منظم في حملة إسقاط مرسي سيقلب موازين القوى. كذلك فإن المجموعات التي تعمل في الحملة وحولها، أو نشطت بسببها، تشكل بذورا لروابط وأشكال أعلى من التنظيم الجماهيري في الأحياء، تدافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. وهذا بالفعل هدف يعمل من أجله الاشتراكيون الثوريون المشاركون في حملة تمرد. إننا ندعو في الأحياء والشوارع لتكوين مثل تلك الروابط والتنظيمات، تبني على هذا الزخم وتعمقه.
حركة تمرد تجميع للجماهير على مطالب الثورة التي كانت مرفوعة في ظل حكم العسكر وزادت وتعمقت بعد حكم الإخوان/عسكر. (علشان الأمن ما رجعش الشارع، عشان الفقير لسه مالوش مكان، عشان لسه بنشحت من بره، عشان حق الشهدا ما جاش، عشان مافيش كرامة ليا ولبلدي، عشان الاقتصاد انهار وبقى قايم على الشحاتة، عشان تابع للأمريكان.. مش عايزينك). قوة الدفع الرئيسية في الحملة هي رفض لسياسات مبارك/طنطاوي/مرسي. وبذا تضع المشاركين فيها ممن يفكرون في الاحتماء بالعسكر أو « فين يوم من أيامك » في تناقض حقيقي ومأزق سياسي شديد.
الثورة تتعمق
إن عنفوان الحركة أحدث بالفعل تغيرا ملموسا وخطيرا على الأرض في الأحياء والشوارع: في الصدام بين رافعي راية العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، حملة تمرد نموذجا، وعناصر الإخوان المسلمين نجد الأهالي تنصر المتمردين. في دار السلام بعد صلاة الجمعة يشيع خبر عن « مطاردة » أبناء المنطقة لعناصر من الإخوان كانوا قد هجموا على مجموعة لتمرد. وفي الإسكندرية تطور خطير: الإخوان يهاجمون أعضاء للحملة فينضم الأهالي إلى المتمردين ويصدون الإخوان. الإخوان في صدام دامٍ مع الجماهير لأول مرة في تاريخهم. لقد كانت الأحياء الشعبية مجالا لتأثيرهم والآن بسبب سياساتهم أصبحت المأوى والأمان للمتمردين عليهم. الثورة تتعمق.
وهلع الإسلاميين يأتي من هذا. إنهم يخشون أن سحرهم على الجماهير باستخدام الدين لم يعد له نفس التأثير. حملة تمرد تعبر عن تطور في الوعي الجماهير الجماعي كشف الإسلاميين الذين يريدون الإبقاء على نفس الظلم الاجتماعي والاقتصادي ويغلفه بمسحة من الدين. لقد سماهم الناس « تجار دين » بعد عام واحد من السلطة! لقد ثلم هذا السلاح. في عام واحد. لقد تعلمت الجماهير التي أتت بمرسي لأنهم صدقوا وعوده أو لأنه « راجل طيب بتاع ربنا » الدرس، وكما قال أحد القيادات العمالية « إحنا جبنا مرسي، وإحنا اللي ح نصلح غلطتنا ». لا عجب أن يخطر الشاطر عمرو موسى بأنهم ليسوا متمسكين تماما بالرئاسة. ولا عجب أن يخرج محمد مرسي كعادته بجمل أقرب إلى الهذيان فيقول إنه سيكون مع الناس في الاتحادية يوم 30 يونيو!! ولكن الضوء الكاشف الحقيقي يتجلى في نصيحة أحد المخلصين للإخوان: ناجح إبراهيم، وهو من هو في الجماعة الإسلامية، إذ أدى الضغط الشعبي به إلى التشكيك في جدوى السياسية بأكملها، فيقول موجها حديثه للإسلاميين بوجه عام: « بعد تربعنا علي العرش السياسي، سقطنا من قلوب الناس، بسبب بعدنا عن الدعوة ». اشتراك الملايين في هذه الحملة هو الذي يحت في ثقة الإسلاميين في أنفسهم وقدرتهم وغطرستهم التي اعتادوا عليها!
ومن عجيب الأمر أن بعض اليساريين يعارضون حملة تمرد، بدعوى أنها « ليست ثورية بالقدر الكافي »! ويقوم هذا الانتقاد فيما يقوم على فكرة أنها تحصيل حاصل بمعنى أننا نعرف أن الشعب فقد ثقته في محمد مرسي! وأنها تستهلك طاقة الشباب وتأخذه إلى طريق إصلاحي. وأن الحملة تقوم على سلبية الجماهير! بمعنى أن توقيع الجماهير فعل استسهالي وسلبي. ويقترحون بدلا عن ذلك حملات للإفراج عن المعتقلين وحصار المراكز الأمنية ودور القضاء، وتنظيم حملات للمطالبة بالحد الأدنى للأجور، وتثبيت العمالة المؤقتة، ودعوة العمال والموظفين للاحتجاجات وصولا للإضراب العام. هذه الحملة لا تأخذ الشباب في طريق « إصلاحي »، هذه الحملة حلقة من حلقات الثورة وتعمقها. هي تتقوى بالحملات القائمة المطالبة بالحد الأدنى للأجور والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين وغيرها وتضمهم جميعا في مطلب وهدف إسقاط مرسي. إن جمع الملايين من التوقيعات على إسقاط مرسي ليس « تحصيل حاصل » بأي حال من الأحوال. الأفراد الجالسون في بيوتهم، الذين يلعنون مرسي، هم فريسة للإحباط لا صانعين للثورة. إن عدم رضا الأغلبية عن مرسي لا يسقطه. كما لم يسقط مبارك. عدم الرضا هذا يجب أن يعبر عن نفسه في الشارع. يجب أن يتحول الأفراد المتضررين إلى جمهور، إلى كتلة محاربة، تتحدى الدولة. هذا ما يهم. وهذا ما تحدثه حملة تمرد. الحقوق لا تأتي إلا بانتزاعها لا بأن نتخيل وجودها. كل ثلاثة أو أربعة يقفون في الشارع ينادون على توقيع استمارة لسحب الثقة من رئيس الجمهورية وكل من يوقع عليها ويضع اسمه يتحدون الدولة، وينتزعون الحق في الوقوف في الشارع للتحريض على رئيس الجمهورية. هذا في ظل نظام يحبس الثوار وكل من يعارضه أو يرى أنه « يهين رئيس الجمهورية ». هذه الحملة تنتزع حق أعمق من مجرد الإهانة: الحق في إسقاط رئيس الجمهورية المنتخب إن أرادت الجماهير! لم يعطنا أحد هذا الحق. وبه تقفز الثورة إلى الأمام. هذا الحق لا تعرفه حتى « أعرق الديمقراطيات ». لقد أصبح « عاديا » بالنسبة للجماهير أن تتناقش الناس في الشارع والمصانع عن خطوات إسقاط الرئيس المنتخب! وعلى أرضية هذا « العادي » ستقوم مطالب أكبر وأحلام أعرض. إن الجماهير تعلم نفسها طريقها من خلال تجربتها وممارستها وانتزاعها للحقوق، لا لأن فريقا ما يرى أن الثورة قد تخطت هذه المراحل!
أما أهل الحكم ومؤيدو النظام فيعترضون على هذه الحملة اعتراضات أهمها (وهي طريقة لضم صفوفهم مع الفلول ومؤيدي « الاستقرار ») أنه جاء بالصندوق وأنه لن يبقى في مصر حاكم أو رئيس بعد ذلك. فنجد باكينام، المرأة التي لا تستقيل أبدا، تقول لنا: « تكون الثورة ليحكم الصندوق.. وإلا سنظل فى الشارع بلا حاكم ». ونقول لهؤلاء: « كلامكم صحيح مائة بالمائة. سنظل في الشارع نسقط أي حاكم لا يحقق أهداف الثورة ويعاديها ». إن أعظم ما في « تمرد »، كحملة جماهيرية واسعة، أنها تنتزع الحق في إسقاط الحاكم المنتخب إذا تنصل عن وعوده بتحقيق أهداف الثورة وعاداها. إن هذه الحملة هي « انتخابات » تقوم الجماهير، لا الدولة، بتنظيمها وعد الأصوات فيها! وإعلان نتائجها! … وتنفيذها.
إنها بهذا المعنى ثورة داخل الثورة!

0 commentaires:

إرسال تعليق