حَدَاثـةُ الثَّـوْب المُسْتعَـار

صلاح بوسريف ليست الحداثة مُجرَّد مَظْهَر، أو نَقْلٍ لمظاهر التحديث من أماكنها التي كانت مَهْداً لكل أشكال التحديث، الثقني والعمراني، أ...

صلاح بوسريف
ليست الحداثة مُجرَّد مَظْهَر، أو نَقْلٍ لمظاهر التحديث من أماكنها التي كانت مَهْداً لكل أشكال التحديث، الثقني والعمراني، أو الحضاري، بالتعبير الراهن. كما أن الحداثة لا تعني، استعارةَ ثَوْبِ ‘الآخر’، وتَلْفِيقِه على جِسْمٍ ما يزال غير قادر على فَهْم الفرق بين اللباس والعَراء، أو لا يستطيع أن يخرج من عرائه، رغم ما يضعه على جسمه من ثَوْبٍ.
اسْتَعَرْنا ثوب الحداثة، وحاولنا إخفاءَ عَرائِنا وراء هذا الثوب، ولم نفكر، قَطّ، في تفكيرِ الحداثةِ ذاتِها، وفي تفكيك ونقد فكرنا ذاته، الذي كان هو مصدر ما نحن فيه من تخلُّف، وما نعيشُه من تعثُّرات، وعوائق وأعطاب، في كل المجالات. ثمَّة من مُفكِّرينا، وكُتَّابنا، وحتى بعض رجال الدِّين المتنوِّرِين، من وَضَع يَدَه على الجُرْح، وذهب لـ ‘الثابت’، أو ما تَرَتَّب عن ثقافة ‘الاتباع′ من معضلات، في مقابل ‘المتحول’ أو ثقافة ‘الإبداع′، أو على بعض معضلات ‘العقل العربي’، أو ‘العقل الإسلامي’، وهؤلاء، كانوا يعملون، في مشاريعهم الفكرية، على تفكيك البنيات المُسْتَحْكِمَة في النظام المعرفي للثقافة العربية، وللعقل الذي يُدير هذه الثقافة، ويحكم نظام الفكر والنظر فيها.
لا أحد انْتَبَه لِما فعله هؤلاء، أو رَغِبَ في النظر في ما يقولونه، وما قدَّمُوه من مقترحات، ومن مشاريع، أو ما قاموا به من نقد وتفكيك. فالأنظمة العربية، بمختلف تلويناتها، لم تكن تعنيها مثل هذه القراءات، لأنها أدركتْ، أن خلخلة بنيات هذا النظام المعرفي، وتفكيكها، يعني، خلخلة بنيات هذه الأنظمة ذاتها، وتفكيكها، ليس من خارجها، هذه المرة، بل من داخلها، وهذا، ربما سيكون أخطر عليها من غيرها من أشكال النقد الأخرى، بما فيها النقد السياسي. فالنقد المعرفي الذي يذهب إلى ‘الجذور’، وإلى ما تتأسَّس عليه معرفة الإنسان، ويقوم عليه نظام الفكر، بما فيه من تعبيرات سيميائية ودلالية، هو أكثر جذرية، وعُمْقاً، من النقد السياسي، الذي هو نقد آنِيّ، يتوخَّى المكاسب، وهو قائم على نوع من التفكير البراغماتي، الذرائعي، لا أقل ولا أكثر.
الحداثة، إذن، خارج تَبَنِّي هذا النوع من التفكير الجذري، الذي يمس الأُسُس، ويُعيد تَفْكيرَها، وفق ما كان يفعله الإغريق القُدامى، بَقِيَتْ مجرد مظاهر، وتعبيرات سطحية، لأنها لم تَمَسَّ العُمْقَ، أو لم يَتِمّ الاقتراب من هذا النظام الذي يُدِيرُها، ويحكم صيرورتها المُغْلَقة، أو المُنْكَفِئَة على ذاتها.
يمكن التمثيل لذلك بالفكر السياسي العربي. فهو فكر استعاريّ بامتياز. لا شيء خَرَجَ من نفسِه، ولا من نظامه الفكري. فنظام الحُكْم، وبناء المؤسسات، وتدبير الشأن العام، واستعمال مفاهيم من قبيل الديمقراطية وحقوق الإنسان، والحق في الشُّغْل والسَّكَن، والعيش الكريم والمساواة بين الجنسين، وغيرها من المفاهيم التي باتت اليوم شائعةً، كلها هي، عندنا اليوم، من قبيل اللِّباس، أو الثوب الذي نستعمله لإخفاء عرائنا. فلا ديمقراطيتنا تشبه ديمقراطية الغرب، ولا نحن استطعنا أن نبحث عن بديل يكون تعبيراً عن حالتنا الخاصَّة. عندنا مجالس مُنْتَخَبَة، وعندنا برلمان بغرفتين، وعندنا مُدَوَّنة للأُسْرَة، وعندنا دستور، وأحزاب تتنافس على السلطة، بما فيها الأحزاب الدينية، التي تلبس ثوب السياسة، وليس عندنا جَوْهَرَ هذه التشريعات والمؤسَّسات. العقل، والفكر الذي يمكنه أن يكون وراء هذه الثوب، وهذا اللباس، هو عقل يوجد خارج نسيج هذا الثَّوْب، أو هو عقل يعيش خارج هذه المؤسسات، التي بَقِيَت، بالنسبة له، مجرد شكلٍ بلا مضمون، أو إناءٍ بلا ماء.
نفس الشيء يمكن أن نقوله عن الجامعة، وعن المدرسة، أو النظام التعليمي، عموماً. لا شيءَ فيه استقامَ، أو يمكنه أن يستقيم، ما دامت السياسة التعليمية، تأتي من خارج مشكلاتنا، ومن خارج وَعْيِنا، بالشروط التي أنتجتْ أعطابَ التعليم، وأنتجت أعطاب الإنسان العربي، في الفكر، وفي الوجدان، معاً. تعليم الكَمّ والوَفْرَة، لا الكيف والنَّوعية. وتعليم الظاهر لا الباطن، أو السطج لا الجوهر، بما يعنيه هذا من رفض للنقد، والتفكيك، والمراجعة، والثورة ضد قِيَم التقليد وتكريس فكر التكرار والاجترار، ومفهوم التربية الذي هو بين المفاهيم الأكثر تَخَلُّفاً عندنا، بما تعنيه من وصاية على الإنسان، وما يحمله، هذا المفهوم، من معاني التَّبَعِية، والبَيْعَةِ، والطَّاعَة، والخُضوع.
الإعلام، بدوره يسير في نفس هذا لمعنى، وهو إعلام، لا معنى فيه للابتكار والتنوُّع والاختلاف، فهو إعلام احْتِكار، واسْتفْرادٍ، الدولة هي من تتحكَّم فيه وتُوَجِّهُه، أو تستعمله للترويج لأفكارها، ولأيديولوجيتها القائمة على الطَّاعة، وبَيْعَة الحاكم، وعبوديتَه.
لا مكان للحداثة، بالمعنى الذي أشرتُ إليه أعلاه، في فكر الحاكمين، ولا في فكر مستشاريهم، من الفقهاء، والموُعَّاظ، والمثقفين الذين انحازوا للسلطة، وانتصروا لخطاباتها، وبرامجها، ولا في المؤسسات التي يحتلُّونَها، أو هي في ملكيتهم، يستعملونه في ما يخدم سياساتهم، ويخدم برامجهم، وأفكارهم.
فحين تختار الدولة، مثلاً، استعمال الطّرق الصوفية، والزوايا، في مواجهة السلفيات الأرثودكسية، فهي تبقى مُخْلِصَةً لفكرها التقليدي الماضويّ المُحافِظ، الذي يستجير من الرَّمْضاء بالنار، كما يُقال. دِينٌ، أو فهم وتأويلٌ للدِّين، في مقابل، دينٍ، أو فهم وتأويل آخر للدِّين. كلا الطرفين يصدر عن نفس النظام، عن نفس الفكر، فقط، أن الأوَّل يستعمله بنوع من الخضوع والطَّاعة والانطواء، والثاني يستعمله بنوع من التطرف الاحتفالي العنيف، وبالمواجهة المسلَّحَة، أو العنف المادي القتالي. نفس البنية، مع فرق في أدوات التنفيذ.
ما الذي يمكن أن تعنيه الحداثة في مجتمعات بهذا المعنى، مجتمعات لا يعنيها إلاَّ ظاهر الشيء، وسَطْحُه، أو هي مجتمعات تُخْفِي عَراءها وراء نفس الثوب، رغم قِدَمِه وتلاشيه. فإلى متى ونحن نُؤجِّل الحداثة، بما يُناقضُها، ونُخْفِي أسباب عطبنا وراءَ تسمياتٍ، هي تنويع على نفس العقل العاطل عن النقد والتفكيك، أو الذي يجمع بين فكر الدَّاعِيَة وفكر الفيلسوف؟
ما لم نعد إلى صوابنا، بنقد ومراجعة، وتفكيك هذا النظام المعرفي الثَّاوِي في ثقافتنا العربية، وما لم نعمل على توسيع الشُّقُوق التَّصَدُّعات التي كان من سبقونا فتحوها في هذا الجدار الصَّلْب ،السَّمِيك، ونُعيد وضع تراثنا، أو ماضينا، في سياقه التاريخي، بما في ذلك الدِّين نفسه، دون تقديس أو تبجيل، أو تبعية وخُضوع، فلا يمكن أن نخرج من هذا الكَهْف الذي لا يفتأ ظلامه يزداد عُمْقاً وكثافةً، والسلاسل تُحْكِم طَوْقَها علينا.
فالحداثة، ليست هي ظاهر الشيء، وليست نوعاً من الكولاج والترقيع، أو الجمع بين المُتناحِرات، حتى لا أقول المتناقضات، أو تسخير الفلسفة لخدمة الدِّين. كما أن الحداثةَ ليست استبداداً وقهراً، واستفراداً بالسلطة، ووضع الحاكم فوق القانون، أو تأليهه، أو تبربر ألوهيته. هذه شِيَم الفكر التقليدي الارْتكاسِيّ التبعيّ، الذي يختبيء وراء الدين والغيب، لتبرير تَخَلُّفِه، واسْتِحْكامِه في النفوس والأرواح والعقول.
الحداثة، نقد وتفكيك دائمين، وهي مراجعة، لا تفتأ تُعيد قَلْبَ الأُسُس، والشَّكُّ، هو بين أهم ما يجعل اليقين فيها يكون هو أضعف حَلَقَة، بما يعنيه من نسبية، واحْتِمالٍ. وهذا ما سيميز الحداثة عن غيرها مما يلبس لبوسها، ويسبغ اليقين على ما ليس يقيناً، أو يضفي على الشك، معنى اليقين.
عن جريدة : القدس العربي

COMMENTS

الاسم

أدب و فنون,33,أعمدة مغربية,54,اقتصاد و إعلام,23,الربيع العربي,131,المزيد,82,جديد الكتب و المجلات,28,حريات و حقوق,31,دراسات حول المجتمع المغربي,18,سياسة مغربية,45,علوم وتكنولوجيا,2,عمال و نقابات,7,في دقائق,4,مجتمع مدني,18,مواقف حزبية,18,
rtl
item
مدونة الشعب يريد : حَدَاثـةُ الثَّـوْب المُسْتعَـار
حَدَاثـةُ الثَّـوْب المُسْتعَـار
http://1.bp.blogspot.com/-xH87u1aL1bw/Ucze_SIQ28I/AAAAAAAAFwc/ZE2MlsWpzrs/s320/27qpt896.jpg
http://1.bp.blogspot.com/-xH87u1aL1bw/Ucze_SIQ28I/AAAAAAAAFwc/ZE2MlsWpzrs/s72-c/27qpt896.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2013/06/blog-post_28.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2013/06/blog-post_28.html
true
3090944207328741838
UTF-8
Loaded All Posts Not found any posts VIEW ALL Readmore Reply Cancel reply Delete By Home PAGES POSTS View All RECOMMENDED FOR YOU LABEL ARCHIVE SEARCH ALL POSTS Not found any post match with your request Back Home Sunday Monday Tuesday Wednesday Thursday Friday Saturday Sun Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy