Archive Pages Design$type=blogging

عندما نستنجد بالنحو العربي لمحاولة فهم الثورات العربية

بيار لوي ريمون* أين الفاعل؟ لقد ذهب بعيدا.. بينما كنت اكتب هذه الجملة هذا المساء في عمل طالبة يبدو أن من اختصاصها عدم إثبات الفعل وراء...

بيار لوي ريمون*
أين الفاعل؟ لقد ذهب بعيدا.. بينما كنت اكتب هذه الجملة هذا المساء في عمل طالبة يبدو أن من اختصاصها عدم إثبات الفعل وراء فاعله مباشرة، مثلما تنص عليه قوانــــين اللغـــــة العربية، كنت أتساءل عن التبعات التي يمكن أن تترتب عن ظاهرة انفصال الفعل عن فاعله، متى طبقناها على أحـــــداثنا الجيوســـــياسية الراهنة. وأوصلتني نتيجة تساؤلاتي إلى أن قراءة لأحداث ما بـــــعد الثورات العربية قابلة جدا للوقوع تحت مجهر تعبيرنا النحوي هذا

ولنقف، ما دامت عبارة المفتاح في مقال اليوم مأخوذة رأسا من مصطلحات النحو العربي، عند كلمة نحو نفسها، لنذكّر لمن تنفعه الذكرى أن معنى النحو الاتجاه والوجهة، بدليل تعبير نحا هذا النحو القديم الجديد الذي لا يزال دائرا على ألسنة المتحدثين اليوم إفادة منهم لهذا المعنى.

وهذا المعنى، معنى المسلك والوجهة، يكاد يجمع المحللون على انه المعنى ـ بأل الإطلاق ـ الذي يبحثون عنه في أحداث الثورات والثورات المضادة ووقائع ما بعد الثورة وما وراءها.. ولو أمكن هذا التعبير باللغة العربية ـ وهو مستعمل بالفرنسية على فكرة ـ قلنا إن المحللين يبحثون عن نحو للثورات العربية، أي جملة القوانين المنظّمة لمنطق الثورة بما يحمله من مشروع اجتماعي وسياسي يترجم إرادة الشعوب في العيش الكريم وتحقيق طموحات مهنية واعتماد حرية التعبير أداة للضبط والتقويم، وبالتالي التقدم. هكذا بالإمكان تلخيص مقومات نحو الثورة هذا.

لكن النحو، مثلما يعتمد على الفعل والفاعل كطرفين يشكلان نواة الجملة الفعلية، يستدعي أيضا من الجملة أن تكون مفيدة. بهذا تكتمل الدائرة ونحصل على جميع المقومات النظرية لثورة ناجحة.
مقومات نظرية قلنا.. هنا يكمن لب المشكلة.. وهي مشكلة يمكن صياغتها من جديد بألفاظ نحوية فنقول: إن الثورة حملت الكثير من الجمل الاسمية ـ انطلاقا من جملة الشعب يريد إسقاط النظام، فخير ذكرى تنفعنا جميعا استحضار أن الجملة الاسمية العربية تبتدئ باسم ـ أكانت تتضمن البقية فعلا أم لا ـ ولو بقينا عند شعوبنا التي استنفرت همما ـ قبل أن تستنفدها تقريبا ـ لإسقاط الأنظمة وإسكاتها، أرجعت اعتباراتنا النحوية صداها من جديد لتقول هذه المرة إن الجملة الاسمية، متى تضمنت فعلا، لا تلبث أن ترسله إلى حافة الهاوية ـ أو قاب قوسين أو أدنى.

أجل، فالجميع يعلم أن الجملة الاسمية وظيفتها التركيز، التأكيد، على الاسم، ليس الفعل، وبأثر رجعي، يمكن القول إن وظيفة الجملة الاسمية تذويب الفعل، ليبقى الاسم صاحب نصيب الأسد من المعادلة، وبذا تصبح النتيجة معروفة مسبقا، فتبرز الجملة الاسمية كيف أن الفعل يظل، متى جاء بعد الاسم، حبرا على ورق بتذويبه له. ترجم الفكرة بلغة الجيوسياسة يصبح عندك الأمر كالآتي: الشعب يريد إسقاط النظام فصار مسلوب الإرادة.

ولو انتقلنا الآن إلى العنصر المكوّن الآخر للكلام المفيد العربي، آلا وهو الجملة الفعلية، لدارت الأمور، متى طبّقناها جيوسياسيا، تقريبا على نفس المدار. فالجملة الفعلية التي تقتضي هذه المرة أن يبدأ الكلام بالفعل، لا تسلم من نفس الآفة. فالفعل الذي يبدأ الجملة معرّض لثلات احتمالات: إما أن يتبعه فاعله ـ وذلك خير له لإفادة المعنى ـ وإما أن يكون مقدرّا، وإما أن تبعده عن فاعله جملة اعتراضية تكون مثلا مفعولا به أو مفعولا لأجله، أو بدلا، أو غير ذلك. وفي الحالتين الأخيرتين، الفعل مفصول عن فاعله فيبدأ لا محالة بحث عن فاعل الفعل في الجملة. ومتى كانت الجملة مختلّة التركيب، قد يكون البحث مضنيا.

وواقعنا الجيوسياسي الراهن ناطق بلسان حال اختلال التراكيب النحوية، فلا جمل اسمية ولا ثورية قوّمت أسماء بأفعال سوى أفعال مضادة لإرادتها، ولا جمل فعلية و لا ثورية نجت من ظاهرة لغوية أخرى نضيفها بالمناسبة، وهي وقوع الفعل على الفاعل. أما الحالة النحوية الباقية في الجملة الفعلية، وهي ارتباط الفاعل بفعله ارتباطا غير مفصول، تتعزز به قدرة الفعل على التعبير عن معناه بلاغة وعملا، فلا يزال يحدونا أمل أن يترجمه الواقع بما لا يتركنا نزيد تعبيرا لغويا جديدا، وهو الكلام الذي يحسن السكوت عليه

‘ *باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
منقول عن جريدة القدس العربي

تعليقاتكم

الاسم

أدب و فنون أعمدة مغربية اقتصاد و إعلام الربيع العربي المزيد جديد الكتب و المجلات حريات و حقوق دراسات حول المجتمع المغربي سياسة مغربية علوم وتكنولوجيا عمال و نقابات في دقائق مجتمع مدني مواقف حزبية
false
rtl
item
مدونة الشعب يريد : عندما نستنجد بالنحو العربي لمحاولة فهم الثورات العربية
عندما نستنجد بالنحو العربي لمحاولة فهم الثورات العربية
http://2.bp.blogspot.com/-mfdSOPPKgr0/UuF--RkfFEI/AAAAAAAAH1Y/7Ykq88AqWqg/s1600/22qpt479.jpg
http://2.bp.blogspot.com/-mfdSOPPKgr0/UuF--RkfFEI/AAAAAAAAH1Y/7Ykq88AqWqg/s72-c/22qpt479.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2014/01/blog-post_23.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2014/01/blog-post_23.html
true
3090944207328741838
UTF-8
القائمة بحث تعليقات الصفحة غير موجودة المزيد تابع الموضوع رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية صفحات أقسام المزيد اخترنا لكم قسم أرشيف بحث لم يتم العثور على ما تبحث عودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت الاحد الاثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نونبر دجنبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago