Archive Pages Design$type=blogging

نظرة على كتاب "قداس السقوط : كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي" لأحمد دلباني

قضيت ساعات من يوم أمس وصباح هذا اليوم في قراءة كتاب الكاتب والباحث والشاعر الجزائري أحمد دلباني، الموسوم ب" قدّاس السقوط: كتابات ...

قضيت ساعات من يوم أمس وصباح هذا اليوم في قراءة كتاب الكاتب والباحث والشاعر الجزائري أحمد دلباني، الموسوم ب" قدّاس السقوط: كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي"،الصادر عن دار التكوين للتأليف وللترجمة والنشر، دمشق، ط. الأولى، 2012. وهو عبارة عن مجموعة مقالات قبيل وإبان انطلاقة الربيع العربي، وإلّم يوضح صاحبها هل نشرت جميعها، بالتواريخ المشار إليها، أم أن الأمر يتعلق بتاريخ كتابتها...ا
ملاحظة:سأترك الاستشهادات بالنصوص في الأخير، حتى لا أثقل المتن
ابتدأ المؤلف بالتهليل للعهد الجديد: الربيع العربي(النص1)، وانتقد الدور السلبي للمثقفين في الحراك العربي (النص2) .ا
ينْظمُ هذه المقالات خيط جامع، ينطلق من كون الاكتفاء ب "قطع رأس الملك"، حسب تعبير فوكو، غير كافي لإحداث التغيير المنشود (النص3)، إذ لا يكفي إزالة رئيس دولة من مكانه ما لم يصحب ذلك تغيير في بنية النظام (النص4 و5)، حيث يلحظ أن من المشاكل التي عاشتها المجتمعات العربية منذ الاستقلال استمرار نفس النظام الحاكم المستبد حتى في وجود أحزاب تدّعي تحرير الإنسان، ــ حزب البعث نموذجا ــ (النص6)ا 
والخوف أن تتحول الثورات العربية إلى حصان طروادة لأنظمة استبدادية من نوع آخر، كنظام الملالي/ ولاية الفقيه كما هو في إيران، أو  لأنواع الاستبداد الأخرى تحت أي مسمى كان (النص 6 مكرر)ا
فالأمر لا يقتصر على طبيعة الحاكم المستبد فحسب، بل إن المعضلة في المجتمع ذاته الذي ألِف وجود الأب؛ إذيتعلق الأمر بحاجة هذه المجتمعات لهذا الحاكم/المخلّص/المهدي المنتظر: عبدالناصر/صدام حسين... (النص7و12)ا
وإذن فالأمر يتعلق بذهنية انبنت منذ القديم على انتظار المخلص/ القائد الملهم، بقراءة معينة للدين فرضتها السياسة منذ العهد الأول للإسلام، وعمل الفقهاء على إلباسها لبوس الدين، واعتبارها هي وحدها الإسلام الحق وغيرها مروق وبدعة، وبالتالي تحنيط الإسلام في قراءة واحدة ووحيدة تخدم مصالح الحكام. فالمشكل ليس سياسيا فحسب بل هو ذو أبعاد متعددة أبرزها المشكل الثقافي (النصوص 8 إلى 11)ا
لذا تعاني المجتمعات العربية من غياب الشرعية الشعبية كمحدد للنظام الديمقراطي، ووجود شرعية تارخية: الشرعيةالدينية، أو الشرعية الثورية أو غيرها (النص 13و14)ا
فالمستبد العربي لا يفهم السياسة كمجال لتدبير الشأن العام، ولكنه يراها مكانا لتحقيق الأحلام الطوباوية أو الخلاصية، وهو ما يجب تغييره.
وعموما هذه القراءة السياسية هي نتيجة تكريس الوحدانية في كل شيء في الثقافة، السياسة،الفن... وبالتالي تخوين وتكفير وتبديع كل من يخالف النموذج الجاهز أو يغرد خارج السرب، ومن هنا احتقار العقل والإبداع وتكفيرهما، فلا وجود في هذه المنظومة إلا للمعنى الوحيد والحقيقة الوحيدة المطلقة، التي يصونها ــ زعماً ــ النظام الحاكم "الواحد" بقيادة القائد الواحد الملهم المخلّص، والذي يستمد، إذن، شرعيته ليس من صناديق الاقتراع / من الشعب ولكن من تاريخيته من دوره كساهر على حماية وصون الحقيقة المطلقة من الأعداء!!!   (النص. 15)ا
ومن هنا أهمية دراسة أدونيس للشعر، باعتبار الشعر انفتاحا على المستقبل على المجهول على تعددية المعنى، وليس التشرنق في أحادية المعنى المكرسة للاستبداد
ولقد كرع الجميع من معين الثقافة الوحدانية وهو ما يلاحظ حتى في الحركات المعارضة، التي وإن نادت بالحرية فإنها تستبطن غيرها، وهي الأخرى تكرس الاستبداد، (النص16).ا
بلغة أخرى أُدخِلت المجتمعات العربية قسرا إلى الحداثة، بيد أنها لم تكن حداثة حقيقة هي فقط بعض مظاهرها التحديثية، وليس عمقها الفلسفي،(النص 17)  ما قامت به بعض الأحزاب القومية والاشتراكية هو الاستعاضة عن عمامة الفقيه بخوذة العسكر، هي علمنة الاستبداد !!ا
بمعنى آخر انتشرت حداثة النظام، ولم تنتشر حداثة التفكيك، وهذه الأخيرة هي ما نحتاجه اليوم، إن الحداثة في عمقها هو بحث مستمر عن المعنى الجديد، وليس المعطى المنجز الجاهز، إذ حاولت الأنظمة العربية دائما اغتصاب الدلالة باسم المقدس والمعنى الجاهز، من أحل شرعنة سلطتها وتبرير احكامها. إن الحداثة/التفكيك هي بحث في الواقع /الانطلاقة من التجربة وليس البقاء رهين سلطة النص، وهذه إحدى معضلات الثقافة العربية الإسلامية عبادة النصوص،  خصوصا عندما يتم تحنيطها وتحويلها إلى المطلق(النصوص 18 إلى 20).ا
ملاحظة:أتساءل شخصيا ما الفرق حينها بين قال محمد، أو قال الشافعي، وقال ماركس، أو قال ستالين، أو لينين...إذا تحولت أفكارهم من نسبيتها إلى حقائق مطلقة، وهذه معضلة حقيقية، شخصيا كنت أقول لبعض الرفاق، إنكم تعانون من المانوية والإيمانوية، من جهة، مشكل المنطق الثنائي: مناضل/مخزني، تقدمي/رجعي، وتخوين كل الآراء المخالفة.. مثلما يوجد عند الآخر ثنائية: الحلال/الحرام، المؤمن/الكافر... ومن جهة أخرى تقديس كلام مجموعة من الأشخاص والنصوص
إن حداثة التفكيك، بالنسبة للمؤلف شيء أساسي للخروج بالمجتمعات العربية من متحف التاريخ، ويقع عاتق ذلك بشكل كبير على المثقفين، الذين يُعد دورهم الأول تحرير دلالة الأشياء من تاريخها المرتبط بالسلطة، والكشف عن وجود معاني ودلالات عديدة وعن تاريخية "المعنى الوحيد" وبالتالي إزالة الأساطير المؤسسة للاستبداد العربي، ونقل الإنسان من جرم صغير يعيش على الهامش إلى مكانه في المركز، أن يصبح غاية، وتخليص العقل السياسي العربي من فكرة الراعي/الوصي على الراعايا/القطيع إلى منظومة مبينية على المواطن المبدع الحر القادر على فهم واقعه انطلاقا من التجربة واقتراح حلول مناسبة، حيث تكون السيادة والشرعية للشعب وهو مصدر كل سلطة، بتجاوز السياسة المبنية على الفرد/المخلّص إلى دولة القانون والمؤسسات(النص21).ا
أخيرا أشكر الصديق العزيز هاب حسام الذي لفت انتباهي لهذا الكتاب

السبت 13 أبريل 2013

هوامش:
النص1  : "إن شتاء الغضب العربي ــ الذي هو أكثر الفصول دفئا منذ عقود ــ شهد، بصورة مدهشة، ميلاد الكوجيتو العربي الجديد: أنا أثور، إذا أنا موجود. (...) ها هو بركان الغضب الشعبي يأتي على معبد الاستبداد العربي ويفتح أفق التغيير من خلال انتفاضة شباب ثائر يدعونا اليوم إلى مراجعة مفاهيمنا ونظرياتنا المتكلسة عن الثورة والعمل الثوري بعامة" ا

النص2 : "لم يكن بين المثقفين العرب فولتير ولم يشاركوا في قطع رأس الملك:أعني أن المثقفين العرب بالمعنى التقليدي لم يُسهموا في هذه الانتفاضات الشعبية. لم يمهّدوا لها ولم يواكبوها كما ينبغي. لم يكتبوا بياناتها ولم يتوقعوا حتى حدوثها وانفجارها العظيم غير المسبوق (...) على المثقف العربي بالتالي، أن يتعلم كيف يواكب الحدث،ويقرأ دلالاته كي يكون في طليعة حركة التغيير مشاركا ومستبصرا لا قائدا أو وصيا.لقد عانينا كثيرا، ولعقود طويلة، من حضور فكرة الزعيم والمخلّص والقائد الأوحد الذي ظل تجسيدا لأحادية الرأي والاستبداد السياسي وقمع المختلف باسم يوتوبيا الوحدة التي تعلو على تعددية العالم وغناه. لقد تحرّر نص التاريخ، أخيرا، من المؤلف المركزي القديم: أعني الزعامة الفكرية والإيديولوجية/الحزبية"ا

النص3 :  "من المؤكد أن السلطان لا يزول بمجرد قطع رأس الملك كما كان يعلّم ميشال فوكو. السلطةأمر معقد فعلا وهي تخترق نسيج الهيئة الاجتماعية ولا تمثل امتيازا لفئة تستأثر بالحكم. إنها أداء ومعقولية تفرض نفسها باسم الشرعية المقتنصة في الفضاء السوسيوــ سياسي. انطلاقا من ذلك نفهم كيف أن قلب نظام الحكم لا يعني أبدا أننا أفلتنا من السلطة وأزلناها، ولا يعني أننا غيرنا من مرجعية الشرعية ونظام المعنى الذي تتأسس عليه رؤيتنا للعالم والأشياء"ا

النص4:"إن الثورة حدث لا يفهم خارج محاولة خلخلة الأسس التي تمنح الشرعية للوضع القائم سياسيا وثقافيا أيضا. هذا ما أحاول هنا، أن أشدد عليه. ليست الثورة انقلابا على العرش وإنما هي، كذلك تهيئة النعش لمنظومة القيم التي كانت السلطة السياسية المباشرة والقائمة تستند إليها. دون ذلك لن تكون الانتفاضة ثورة وإنما زلزالا اجتماعيا يفتقر إلى هاجس التخطي والتجاوز ويفتقر إلى الحلم الإنساني الأعمق بالتحرر الشامل. الثورة، جوهريا، ليست حِراكا فحسب بقدر ما هي تحرّك نحو  واتجاه إلى. إنها هدف معلن واعتقاد عميق بصداقة التاريخ لشرعية المعنى الذي يعتق الإنسان من تفاهته في الغبار الكوني، ويمنح وجوده جدارة لا تتحقق بغير الوعي والحرية" ا

النص5 : "فليست الثورة قلبا لنظام الحكم بقدر ما هي قلب لنظام الشرعية التي يقوم عليها الواقع الشامل للاغتراب بكل أبعاده، السياسية منها والثقافية والاجتماعية، إن السلطة ــ مهما بدت قمعية أو ذات سطوة وجبروت ــ لاتقوم على شرعية القوة فحسب وإنما، أيضا،على قوة الشرعية التي يضمنها خطاب ثقافي سائد ينهل من روافد متعددة: نفسية وتاريخية وأنتربولوجية ورمزية. من هنا تبدو مقاومة السلطة بعيدة عن أن تكون أمرا هينا. هذا، ربما، ما يدعونا إلى أن نقرر، بداية، أن الأكثر دواما هو المقاومة وليس الثورة"ا


النص6  : "لماذا لم يحكمنا إلا الزعيم الملهم والقائد الأوحد؟ لماذا لم نستطع بناء دولة المؤسسات الحديثة وبقينا رعايا تحت إمرة الراعي المستبد وأهوائه؟ لماذا كلما اعتقدنا أننا بلغنا الرشد وفتّحت لنا أبواب زمن الإنسان الفاعل فاجأنا المخلّصون وتكاثر حولنا الأنبياء الزائفون؟ لماذا لم يغيّر فينا آدم جلده وبقي مشدودا إلى سحر الطاعة الأبدية واستجداء المعنى مما يعلو عليه ويسحقه؟ هذه الأسئلة وغيرها نراها ضرورية من أجل إعادة النظر الجذرية في ما تتأسس عليه الحياة العربية في مستواها السياسي والكياني بعامة. فربما حان وقت المراجعة النقدية الشاملة ــ في ضوء ما يجري ــ وحان وقت إسقاط ورقة التوت الأخيرة عن نظام المعنى والشرعية التي أبّدته في مجتمعاتنا ثقافة انتصبت حاجزا منيعا أمام دخولنا العصر الحديث" ا

النص6 مكرر "... في مجتمعات تعاني منذ مدة طويلة من فراغ إيديولوجي  ومن فقر في الفكر السياسي الطليعي كمجتمعاتنا،ما قد يجعلها تسقط بسهولة في وهم الحلول السحرية والنهائية أو في حضن الأحلام الخلاصية. على الأمل أن يتعقل وأن يتعلم كيف يكون ديمقراطيا. عليه أيضا أن يكون بروميثوسيا ينحاز إلى الإنسان العربي ويُعنى بمشكلاته الكيانية محذرا من إمكان انبعاث الآلهة الأرضية أو عودتها في أقنعة جديدة. فمن المؤكد أننا لا نريد ثورات تُحل ستالين مكان القيصر أو تحل ولاية الفقيه محل نظام الشاه أو تحلم بعودة الخليفة القروسطي مكان رئيس الجمهورية المخلوع. ليست الثورة هدفا بحدّ ذاتها وإنما هي وسيلة لتحرير القدر الإنساني من كل أشكال الاستلاب في أنظمة القمع والتدجين. الثورة، جوهريا، حلم بالتقدم وفتح أفق الإزدهار الإنساني وليست هجْسا بالتغيير من أجل التغيير" ا

النص7 : "تكمن مشكلتنا ـ بوصفنا عربا ومسلمين ــ في أننا لم نشهد قتل الأب في ثقافتنا وإنما أعدنا إنتاجه في أشكال جديدة من الأصولية العقائدية والانغلاق الإيديولوجي المذهبي الذي اعتقل العالم والحقيقة في شباك النظرية والكلمة الأولى التي ادعت أنها تعلو على وقائعية العالم وفجائعيته. مشكلتنا أننا لم نشهد اضمحلال المقدس أوانسحابه من فضاء العمل التاريخي في توليد المعنى على ما يرى البروفيسور محمدأركون، وإنما ظلت تتناسل فينا شهوة التماهي مع الأصل احتماء من فوضى الحاضر غير المسيطر عليه بشكل جيد. هذا ما يدفع بي إلى الحديث عن خطر الثورة السياسية في ظل غياب الثورة الثقافية والعقلية التي تناوش الواقع وتفكك سلطة المرجعيات المتآكلة.دون ذلك تبقى بيوتنا مشرعة دائما لضيوفها من الآلهة التي ترفض أن تموت" .ا

النص 8  : "لا شك في أن حضور فكرة المخلص في الوعي الجمعي يرتبط بمكبوت سياسي هائل.الكاريزما عندنا شجرة فرعها في سماء الوعد وأصلها ثابت في أرض التاريخ الخائب" ا

النص9  : "يبدو لي أن الاستبداد السياسي العربي (...) لا يقف على فراغ و لا يمكن إرجاعه إلى أهواء الحاكم أو مصادفات التاريخ فحسب. إذ سيكون من السخف، مثلا،  تصور انبثاق رئيس مثل صدام حسين في فرنسا الحالية، أو ظهور القذافي في المملكة المتحدة. فللطاغية العربي جذر سوسيو ــ ثقافي وقاعدة رمزية / تاريخية تؤهله لأن يكون التعبير الأمثل عن تطلعات فئات عريضة من الشعوب العربية زمن المحن والمغامرات الكبرى في الحرب باسم الأمة. إذ ليس رجل سياسة يلتزم بالدستور ويطبق برنامجا بخضع للمراقبة، وإنما هو ــ في المخيال الاجتماعي الشغال إلى اليوم ــ التجسيد الفعلي للفحل الذي يفترعُ أرض التاريخ ويعوض عن الكرامة المهدورة لمجتمع يقوم على بنية ذكورية /مركزية عرفت تدهورا أصابها في العمق بفعل التحديث" ا

النص10 : "نستطيع أن نلاحظ، بالتالي، أن الاستبداد العربي قام على قاعدة ثقافية ألفية لم تتغير في بناها العميقة: المقدس والفحولة"ا

النص11 : "ويبدو لي من هذه الزاوية أن الوعي العربي التقليدي لا يرى في الشخصية الكاريزمية شخصية غير ديمقراطية وإنما هبة من السماء تمكن الفحولة العربية الجريحة من استرجاع مواقعها اجتماعيا وتاريخيا" ا

النص12 : "لا يولد المسيح المخلص إلا في مجتمع ينتظره. لاينبثق عبد الناصر وصدّام والقذافي وبومدين والخميني ــ على اختلافهم ــ إلا في مجتمعات تنتظرهم وترى فيهم تجسيدا لبطولة تمثل تصعيدا لمكبوت سوسيو ــ تاريخي، وفرصة للانقاذ من هاوية الانسحاق والتفاهة والفحولة الجريحة في ليل التاريخ الذي حاد عن قيم البنية الأبوية في ظل عملية التحديث المتسارعة وغير المتوازنة (...) وفي كلمة: لا يوجد الأب إلا إذا احتاج إليه الأبناء ولا يوجد الوصي إلا لمن كان في حاجة كيانية إلى الوصاية. هذا، في اعتقادي، هو المدلول الأعمق الذي دعا فيلسوف الحداثة الكبير  إيمانويل كانط إلى أن يرى في"الأنوار" الأوربية في القرن الثامن عشر خروج الإنسان من الوصاية والقصور إلى طور النضج" ا

النص13 : "هذا ما يتجلى بصورة واضحة من خلال تحولاتها الكبرى التي عرفتها: من زمن الثقافات اللوغوسية المرتبطة بالمرجعية اللاهوتية والتعالي إلى زمن الثقافة الحديثة التي انسلخت عن المقدس الديني التقليدي وأسبغت على الوجود معنى إنسانيا.هكذا انتقلت الشرعية من المرجعية الرمزية إلى المرجعية الشعبية والفضاء الديمقراطي الحديث القائم على السيادة الشعبية ودولة القانون. كان ذلك تحولا ثقافيا وحضاريا كبيرا نقل البشرية من سلطة الماضي التدشيني إلى سلطة الإرادة العامة، ومن سلطة الزمن الملحمي إلى سلطة التعاقد الاجتماعي. هذا الكسر الكبير جسدته الحداثة الظافرة في الغرب منذ القرن السابع عشر" ا

النص14 : "من الواضح والجلي أننا لم ندخل بعد عصر الشرعية السياسية الديمقراطية بمعناها الشامل. فلم يولد عندنا الإنسان بوصفه مرجعا للقيم. ما زال الإنسان عندنا مسحوقا ومدجّنا في نظام الوصاية والقمع والرقابة والإخضاع في الدولة الأمنية. لم نحقق، بعد، شرط الدخول في فضاء الزمن الثقافي الحديث القائم على مرجعيات قطعت مع التعالي التقليدي ومع هيمنة المقدس على المجال الوسيو ــ سياسي. ربما تعلْمنت حياتنا سياسيا ولكنها لم تحدث قطيعتها الجذرية مع مناخ الزمن الثقافي التقليدي الذي ظل ينبوعا يرفد المجرى العام لإداء النظام العربي القمعي ويمنحه شرعية يفتقدها. فلقد تأسست الدولة العربية ــ منذ عقود ــ على الشرعية الثورية أو على شخصية الزعيم الملهَم، وبقيت بذلك حبيسة الزمن الثقافي الأسطوري الذي يربط الشرعية بالبدايات المقدسة وبالبطولة الفردية. إنها الشرعية التي تنهل من المخيال ومن الزمن النبوي. هذا ما يبين كيف أن نظام الشرعية السياسية العربية بقي يتحصن بالمرجعية العاطفية/ الأسطورية من أجل تجاوز مآزقه الخاصة كلما جابه التحديات والأسئلة الجديدة" ا

النص15 : "تكمن المشكلة أساسا، بالتالي، في الواحدية الفكرية التي تسوّغ لأي نظام أن يهدم باسم المقدس أو الأمة أو النظرية الشمولية كل الحقوق الديمقراطية للكائن البشري، أو يقلص من هامش احترام العقل والبحث والإبداع. المذهبية نزوع مضمر إلى التمركز ونبذ المختلف وهي انغلاق أمام العالم والآخر. إنها تشرنق يسفح دم العقل الباحث وحرقة الأسئلة على مذبح شهوة التسلط والقمع وإرادة الهيمنة والقوة. هذا هو جذر الوحدانية أيضا بوصفها رؤية ثقافية حبلت تاريخيا بالجلادين من كل صنف منذ أصبحت مؤسسة تدين مغامرات الفكر والإبداع لاسم المطلق" ا


النص16 : "لقد لبس هذا الفكر العباءة العلمانية ولكنه بقي لا هوتي الطابع في عمقه: يستند إلى نص ــ مرجع، ويمارس عنفا نظريا ومؤسسيا إزاء المختلف. من هنا نفهم جيدا غياب الديمقراطية عن هذا الفكر ونفهم ممارسات القمع والإدانة والتخوين التي تمت باسمه. هذه هي الواحدية الفكرية. كان ستالين والمستتيب القديم أيقونتيت تسكنان معا دُخيلاء كل مفكر عربي إيديولوجي. فليست الشمولية والواحدية: الإكليروس والحروب الصليبية فحسب وإنما هي الحزب الواحد ومعسكرا الاعتقال أيضا" .ا

النص 17: "هذا ما جعل من حداثتنا انحرافا بينا عن الأنسنة الفعلية وترسيخا لسلطة المرجع والمعيار، وجعل الحقيقة تأسيسا نصيا لا بحثا في مفازة الوجود أو انبثاقا من التجربة الحية ومن تعرجات التاريخ التراجيدي وما ساماته. هذا يعني أن ثقافتنا الحديثة والمعاصرة لم تنظر إلى المعنى بوصفه أرضا تقف عند تخوم السؤال والسفر الدائم في متاهة العالم، وإنما اعتبرته أرضا موعودة أوصت بها آلهة الثقافة الإيديولوجية لكل من يقدّمون الولاء ويبتعدون عن خطيئة النقد" ا

النص 18 : "إنه موقف الأصولية التي لا تحيد عن المرجع النصي، وتؤسس عليه مواقفها الفكرية والسياسية وتصورها لعمل المجتمع وقيمه ومبادراته التاريخية. ربما هذا ماعاشه الفكر العربي بصورتيه الذائعتين: القومية والماركسية/الاشتراكية" ا.


النص19 : "مفهوم التراث الواحد الكامل إنتاج سلطوي. القيم والمعايير والنظرة إلى الذات والعالم إنتاج سلطوي بالمعنى المشار إليه والذي يعني قوة الهيمنة المرتبطةبالشرعية المؤسسة تاريخيا على اغتصاب الدلالة والحقيقة في الفضاء السوسيو ــسياسي. من هنا يبدو دور المفكر النقدي هائلا من أجل تحرير دلالة الأشياء من تاريخها المرتبط بالسلطة، ومن أجل قراءة جديدة للعالم والتاريخ في أفق التغيير والصيرورة تسحب من السلطة القمعية شرعية هيمنتها الرمزية على الذات العربية والواقع العربي" .ا

النص20 : "على المجهول أن يتأسس في الثقافة العربية التي قامت، تاريخيا على اليقينيات والمسلّمات الكبرى. على المجهول أن ينسف المعلوم وأن يوسع حدود المعرفة وحدود العالم. على المعرفة أن تصبح سفرا في متاهة الوجود والتاريخ لا استعادة لما استقر وساد وترسّخ. أو في كلمة : على المعرفة أن تصبح بحثا لا تعرفا" .ا

النص21 : "[بعض المثقفين ] الذين أصبحوا يفهمون الحداثة لا على أنها نظام شمولي ونظرة ناجزة منتهية، بل بوصفها موقفا نقديا وحركية لا تنتهي في اكتناه المجهول ومراجعة المسبقات في ضوء السديم التاريخي الذي نشهده" .ا

تعليقاتكم

الاسم

أدب و فنون أعمدة مغربية اقتصاد و إعلام الربيع العربي المزيد جديد الكتب و المجلات حريات و حقوق دراسات حول المجتمع المغربي سياسة مغربية علوم وتكنولوجيا عمال و نقابات في دقائق مجتمع مدني مواقف حزبية
false
rtl
item
مدونة الشعب يريد : نظرة على كتاب "قداس السقوط : كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي" لأحمد دلباني
نظرة على كتاب "قداس السقوط : كتابات ومراجعات على هامش الربيع العربي" لأحمد دلباني
http://2.bp.blogspot.com/-vNzt6wLgSrc/UW1UmFlO6NI/AAAAAAAAFSY/ycm-9L10UN0/s320/155728_504252366289989_1918993892_n.jpg
http://2.bp.blogspot.com/-vNzt6wLgSrc/UW1UmFlO6NI/AAAAAAAAFSY/ycm-9L10UN0/s72-c/155728_504252366289989_1918993892_n.jpg
مدونة الشعب يريد
http://slailymohammed.blogspot.com/2013/04/blog-post_16.html
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/
http://slailymohammed.blogspot.com/2013/04/blog-post_16.html
true
3090944207328741838
UTF-8
القائمة بحث تعليقات الصفحة غير موجودة المزيد تابع الموضوع رد إلغاء الرد حذف بواسطة الرئيسية صفحات أقسام المزيد اخترنا لكم قسم أرشيف بحث لم يتم العثور على ما تبحث عودة للرئيسية الأحد الإثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت الاحد الاثنين الثلاثاء الاربعاء الخميس الجمعة السبت يناير فبراير مارس ابريل ماي يونيو يوليوز غشت شتنبر اكتوبر نونبر دجنبر Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago